|
|
|
sommaire
|
الذكريات
والشباب بقلم محمود خالد الحسامي الذكريات
متى تتعمق في النفس، ما هو السر في الشباب
والكهولة؟. لا
شيء يطبع الذكريات بطابعها القوي إلا إذا جاءت
وكانت الأحداث تتوالى بطابعها العادي فبالطفولة لا
يكون الألم محزاً في النفس والقلب إلا إذا كان
الألم يشغل جميع الحواس وكانت الفترة الزمنية لهذا
الألم طويلة بحيث أنه أصاب النظر الذي فقد متعة
الرؤية والوضوح كأن يكون الإنسان متلهفاً لمشاهدة
ما يسمعه وما يتلمسه ويتحسسه، فالصوت الذي يدوي إلى
جانبه لا بد وأن يكون معبراً عن طلب أو حاجة فإذا
استمر هذا الصوت يدخل إلى الأعماق فإن العقل بقي
مشغولاً لإدراك فحواه فهذا الانشغال الذي يأخذ
مداه كلما تجددت الحاجة لمعرفة قائلة وتبيان صاحبه
هو الذي يستقطب الاهتمام فيعود إليه في زمنه الذي
مضى ولا يزال يتكرر فتتجدد الحاجة إلى المعرفة
ويتجدد معها الاهتمام وبين المعرفة والاهتمام
والزمن يضيع عمل الذاكرة ولا يضيع عمل النسيان. إذن
للفكر دور كبير في تجديد الأحداث فتنمو معها
المسافة إذا نمت الذاكرة التي تقطع ارتباط التذكر
بالفراغ الذي عاش مع صاحبه وهو لا يعاني إلا مشكلة
الأمر الذي لم يتمكن بالوصول إليه إلا من جراء
الشعور الطويل المستلهم باللهفة التي كانت عنده
والتي لم تكن لو أن النظر كان طبيعياً وليس بحاجة
إلى الاستعانة بالمحسوس الملموس المستمد تعرفه من
الصوت الذي كان ينادي دائماً. السر
في هذه الذكريات هو ما يكون للسر في الشباب الذي
يُغَيّب فيضيع معه الاستغراق في الحدث وعندها يكمن
في التعرف إلى حدث جديد يفيد صاحبه في محو آثار
ذكراه القديم، فليس للقديم صفة الجمود الذي يكون
للكهل لأن القديم استجد والجديد تطور والزمن
بينهما لا يفصله إلا نمو العضلات والجسم ونمو
الذاكرة والمعرفة فالحاجات الملحة التي يبقى عندها
المرء حتى يحصل عليها هي ليست في الفراغ الذي
ينتظرها وإنما هي في تعاقب الزمن وتجدد الحياة
وتطور الحركة فالشاب لا يرتأي إلا بعد أن عمل
واستدعى العمل حاجة الرأي أما الكهل فإنه يرتأي قبل
وبعد العمل فتطول مدة لهفته إلى إتقان العمل
وانتظامه حتى بعد أن ينجزه ولو كان بتمام الإتقان
والانتظام لأن اللهفة عنده حينئذ هي تقديره للجهد
الذي بذله وهو يريد أن يتقنه، وتقديره للنتائج التي
حصل عليها ولم تكن في الحسبان. |