الأديب والشاعر عبد البر عيون السود
الثائر والمفكر عبد البر عيون السود 1922- 1985
ولد عبد البر عيون السود في حمص سنة 1922 وذاق مرارة اليتم صغيراً، ففقد أباه وهو في الثامنة من عمره وفقد أمه وهو في الثانية والعشرين، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في حمص ثم التحق بدار المعلمين فيها، وبدأ اهتمامه بالمسائل الاجتماعية منذ الصغر، فأعد رسالة في دار المعلمين بعنوان (قضية المجتمع السوري الجديد) ظهرت فيها بواكير ميوله السياسية وفي عام 1946 سافر إلى مصر لدراسة الفلسفة فلم يمكث فيها غير عام واحد ثم قفل راجعاً لأسباب مادية، وعاد إلى وظيفة التعليم في حمص وقد مارس التعليم في قراها، فلم يكن راضياً عن واقعه المتردي وأساليبه التقليدية، كتب إلى صديق له من القريتين حيث كان يعمل معلماً فيها:
« أتتني رسالة من (عبد السلام) يحسدني فيها على العزلة التي أنا فيها، كما تعلم.. أو أنه يريد أن يخفف عني..
هذه المهنة محدودة وليس من المبالغة أن لخصتها لك بهذه اللمحات: زمرة من الصبيان، حشروا بين أربعة جدران سميت مدرسة، فسمي الصبيان حينئذ تلاميذ، وهم مجموعة لا عدد ثابتاً لها، يتقاسمها المعلم مع رفيق له، فيوزعانها في صفوف أو كومات منفصلة على الأصح، في غرفتين واسعتين، ويدوران عليها متنقلين في الوقت ذاته من القراءة إلى الحساب إلى القرآن الكريم.. ويظلان يدوران دون أن يلتفتا .. دورانا تظنه إلى الأبد.. ».
وكان عبد البر يعتقد أن نهضة الريف لا تحقق بتعليم الناشئة فحسب، وإنما تتحقق بثورة شاملة تهز جوانب التخلف فيه:
((هناك توجيه يتوارثه المعلمون ويؤكد رسمياً كل عام: أن يختلطوا بالفلاحين ليفهموهم أن الدنيا واسعة، وأن فيها آلات ضخمة وعجائب فيساهمون بتفتيح هذه الكائنات المسكينة…
رعايا بائسة ورهبان منذورون، هذه هي العلاقة كما يوحي بها التوجيه.. أم حديث الهزة الشاملة للريف فجنون أن يخطر بالبال..)).
ثم تحول عبد البر عن التعليم، وانصرف إلى العمل النضالي بروح ثورية فما كان يقبل مهادنة ولا مساومة، ولم يكن طبعه الصريح الواضح لينسجم مع المناورات السياسية، فتعاورته خيبات الأمل التي أسلمته إلى عزلة ويأس يعقبهما أمل وتفاؤل، وساعد على ذلك طبعه الاندفاعي ومرضه الذي رافقه منذ شبابه، وتفاقم على مر السنين حتى اضطره للسفر إلى عواصم الغرب للتداوي ومنها باريس ولندن ولم يفلح الطب في درء عاديات المرض عنه. فوافته المنية في دمشق في 22 ـ 12 ـ 1985 وصمت اللسان الضنين بالكلمة التي ما كان عبد البر يحب لها أن تتجاوز أصدقاءه الخلص، ولو تعدتهم إلى الجمهور لكان لعبد البر شأن آخر في علم الأدب.