محمد فيضي الأتاسي الوزير الشاعر والسياسي المحنك
محمد فيضي الأتاسي الوزير الشاعر والسياسي المحنك – 1899-1982م
ولد محمد فيضي الأتاسي عام 1898م في الكرك حيث كان والده العلامة محمد طاهر الأتاسي قاضيها، فشب في بيت علم عريق وبيت شرف، فهو من أسرة تولت مناصب الفتوى والقضاء في حمص وغيرها منذ القرن السادس عشر الميلادي (القرن العاشر الهجري)، وكانت قد انتقلت هذه الأسرة قبل حوالي خمسة قرون من اليمن إلى تركية ثم إلى حمص وكانت تعرف أولا بآل العطاسي ثم تحول اللقب إلى الأطاسي ثم أخيرا إلى الأتاسي، واستقرت بحمص وخرجت علماء كثيرين وردت تراجمهم في متون أشهر كتب التاريخ، نعرف منها سبعة عشر مفتيا تولوا الفتوى في حمص وطرابلس. بذلك شب فيضي الأتاسي على قيم أخلاقية ودينية ثم أرسله والده إلى مدرسة (جَلَط سراي) في اسطنبول، فالتحق بالقسم الفرنسي، وكان يؤم تلك المدرسة آنذاك أولاد الأعيان والحكام في الدولة العثمانية لرقي العلوم ومدرسيها فيها. ثم أكمل الأتاسي دراسته الثانوية في مدرسة الأباء البيض في القدس، وبعدها سافر إلى جنيف ليصبح طالب حقوق في جامعتها ولم يتجاوز عمره السادسة عشرة، إلا أن الحرب العالمية الأولى سرعان ما اشتعل وطيسها، فاضطر والده طاهر الأتاسي لأن يستدعيه إلى بلاد الشام، وهناك أكمل دراسته في جامعة دمشق، فأخذ دروسه في الحقوق عن الأستاذ فارس الخوري، كما أنه نال إجازة في العلوم السياسية بالإضافة إلى إجازته في الحقوق. وحضر الأتاسي مجالس أبيه العلمية الأسبوعية، والتي كان يقصدها علماء بلاد الشام أنذاك لتدارس الأمور الشرعية الفقهية واللغة العربية، فكان نتاج ذلك أن خرج منها بعلم وافر في آداب اللغة العربية الأصيلة وعلوم الشريعة والفتوى. وبعد أن أتقن الفرنسية والعربية والتركية إتقاناً كاملاً أضاف إليهم اللغة الإنجليزية والتي علم نفسه إياها حتى أجادها.
بدأ فيضي الأتاسي عمله السياسي كمتصرف (محافظ) لحماة في منتصف العشرينيات من هذا القرن وأثناء قيام الثورة السورية عام 1925، ولما اندلعت ثورة حماة في أوائل عام 1928م رد الجيش الفرنسي المحتل بقصف المدينة بالمدافع والطائرات، فتقدمت سورية بالشكوى إلى عصبة الأمم في جنيف آنذاك، فما كان من المحتل الفرنسي المنتدب على سورية إلا أن كلف الأستاذ فيضي ليكتب تقريراً ممثلاً الطرف الفرنسي لرفعه لعصبة الأمم، ظناً منه، أي المحتل، أن متصرف حماة الأتاسي، والذي كان من أكثر أبناء البلاد ثقافة ومعرفة باللغة الفرنسية وتاريخها وآدابها، أميل إلى الجانب الفرنسي منه إلى جانب البلاد المنكوبة وأكثر تعاطفاً مع المحتل، فإذا بالتقرير يقرع بالسلطات ويفند مقالاتهم ويصف الغياهب التي ألمت بالمدينة والسكان من جراء القصف، على عكس مظنة السلطات الفرنسية، ولذا عُزل الأتاسي فوراً وصدر القرار بالقبض عليه، إلا أنه استطاع الهرب من حماة إلى حمص بمساعدة المرحوم الشريف نورس أفندي الكيلاني، وتوارى بعد ذلك عن الأنظار لمدة غير قصيرة إلى أن عين رئيساً لديوان المجلس التأسيسي للكتلة الوطنية التي ترأسها عم المترجم، فخامة الرئيس هاشم بك الأتاسي، وذلك في عام 1928. و قد تولى فيضي الأتاسي وزارات كثيرة في تاريخ حياته السياسي الحافل حتى بلغ عددها خمس عشرة وزارة أنيطت به في إحدى عشرة حكومة، وقد قل أن تمتع غيره بحقائب وزارية بهذا التنوع والكثرة. إذ أصبح وزيراً للمعارف في إيلول عام 1941م في حكومة حسن الحكيم في عهد الرئيس الشيخ تاج الدين الحسني، ثم عين لنفس الوزارة في نيسان عام 1942م في حكومة حسني البرازي، ثم وزيراً للعدل والمعارف والشؤوون الإجتماعية في 25 آذار 1943م في حكومة السيد عطا الأيوبي والذي ترأس الدولة بالإضافة إلى المجلس الوزاري، ثم وزيراً للمعارف والصحة والشؤون الإجتماعية في 17 نيسان 1949 في حكومة حسني الزعيم والذي كان متولياً لمهام رئاسة الدولة كذلك، ثم وزيراً للإقتصاد الوطني في 15 آب 1949 في حكومة عمه هاشم الأتاسي الإنتقالية والتي تشكلت إثر إنقلاب الحناوي على الزعيم، ثم وزيراً للدفاع والإقتصاد الوطني في 24 كانون الأول 1949 في حكومة السيد ناظم القدسي في عهد الرئيس هاشم الأتاسي، ثم وزيراً للعدل في 27 كانون الأول من نفس العام في حكومة خالد العظم، ثم سمي وزيراً للداخلية في 23 آذار 1951م في حكومة القدسي، ثم للخارجية في آب 1951م في حكومة حسن الحكيم، ثم وزيراً للخارجية في غرة آذار 1954 في حكومة صبري العسلي في العهد الرئاسي الرابع لهاشم الأتاسي، وأخيراً عُيين وزيراً للخارجية في 29 تشرين الأول 1954 في حكومة فارس الخوري.
وقد اشترك العلامة الأتاسي مرات عديدة في وفود إلى بلاد عربية بصفته أحد أعضاء المجلس الوزاري السوري، ففي 23 آذار من عام 1949م كان الأتاسي أحد أعضاء الوفد السوري إلى الجامعة العربية، والذي ضم بالإضافة إليه السيد معروف الدواليبي وخالد العظم، رئيس المجلس آنها.
ومثل الأتاسي سوريا بصفته وزير خارجيتها في وفد ترأسه الأستاذ العلامة فارس الخوري، رئيس مجلس الوزراء السوري آنذاك، وكان ذلك في اجتماع لزعماء الدول العربية في القاهرة في 22 كانون الثاني (يناير) عام 1955م، والذي عقد لبحث قضية « حلف بغداد »، وقد توافد إلى العاصمة المصرية الصلح من لبنان، وتوفيق أبو الهدى من الأردن، والأمير فيصل بن عبدالعزيز آل سعود عن المملكة العربية السعودية. وفي نهاية الإجتماعات اختير الأتاسي في وفد إلى بغداد ليجتمع بنوري السعيد لنقاش ذلك الحلف، ثم مثل الأتاسي سوريا ثانية في القاهرة في شباط (فبراير) من العام ذاته لمتابعة بحث حلف بغداد.
وبالإضافة إلى تولي الأتاسي هذه الوزارات المختلفة فإنه سُمّي رئيساً للوزراء عام 1949م، ففي آذارمن ذلك العام قام الزعيم حسني الزعيم بالإنقلاب الأول على الرئيس القوتلي، ثم أصدر الزعيم مرسوماً على إثره في 14 نيسان 1949م بتعيين فيضي الأتاسي رئيساً للمجلس الوزاري، وقبل الأتاسي بمهمة تشكيل الوزارة الجديدة دفعاً للحرج عن البلاد وحتى لا تبق بأيد العسكريين وحدهم يتحكمون بها. ولكن تشكيل هذه الوزارة لم يتم لأن الأحزاب السياسية كانت متخوفة من العمل مع صاحب الإنقلاب الجديد، وبالأخص أنه كان الإنقلاب الأول من نوعه في تاريخ سوريا الحديث، إذ لم يسبق للجيش أن سيطر على مقاليد السلطة من قبل، ومن جانب آخر توالت طلبات حسني الزعيم على الأتاسي أن يترك له الاستئثار بوزارات الدفاع والداخلية والخارجية، فلما اعترض الأتاسي على ذلك قام حسني الزعيم بتشكيل الوزارة بنفسه.
وبالإضافة إلى ذلك كان الأتاسي من المؤسسين لفرع محافظة حمص من منظمة الهلال الأحمر السوري حينما اجتمع رهط من رجالات حمص عام 1946م لهذا الغرض، وانتخب أول رئيس لفرع حمص ذلك العام وحتى عام 1949م. هذا، وقد ترأس الأتاسي في أواخر الأربعينات وفد الهلال الأحمر السوري إلى افريقيا ممثلاً بلاده في وفد ضم أيضاً الدكتور يحيى الشماع وغيرهما. وفي عام 2000 أصدرت منظمة الهلال الأحمر بحمص شكراً لعائلة المرحوم فيضي الأتاسي لوضعه اللبنة الأولى لذلك الفرع في إطار إصدارها لكتاب « منظمة الهلال الأحمر العربي السوري فرع حمص: خمسون عاماً من البذل والعطاء »،
وفي 28 آذار عام 1962م زار الأتاسي سجن المزة مرة ثالثة بعد وقوع الانقلاب الثاني تالياً انقلاب الإنفصال، وقد كان هذا الإنقلاب بقيادة عبدالكريم النحلاوي، قائد الانقلاب الإنفصالي في 28 إيلول 1961م، واللواء عبدالكريم زهر الدين، إلا أن اجتماعاً في حمص لبعض قيادات الجيش في 28 آذار عام 1962م أبعدت الأول وجعلت من الثاني الآمر الناهي. ولما سيطر العسكريون على زمام الأمور نحوا الرئيس ناظم القدسي وأخذوا يعتقلون السياسيين المدنيين، فوجد الأتاسي نفسه في السجن مع خالد العظم ومعروف الدواليبي ولطفي الحفار وصبري العسلي وأحمد قنبر ومحمد عابدين وعدنان القوتلي وغيرهم من نواب ووزراء، حتى أن رئيس البلاد نفسه، السيد ناظم القدسي، كان قد اعتقل وأودع سجن المزة. ولكن الضباط سارعوا بالإفراج عن هؤلاء عندما قرروا إعادة القدسي إلى منصبه شرط أن يبدل حكومته بأخرى جديدة، وحصلوا على تواقيع المعتقلين بذلك في 13 نيسان من ذلك العام.
لم يكن الأتاسي يعمل قريحته الأدبية في أمور السياسة فحسب، بل كان من الشعراء الناظمين، له بذلك إقرار من شعراء عصرهم الأعظمين، إذا عُد أدباء البلاد كان فيهم من الصفوة، وفي شعره تمكن وتحكم وقوة.
هذا، وقد عرضت على العلامة الأتاسي فتوى الديار الحمصية بعد وفاة الشيخ توفيق الأتاسي، ، فأباها الأتاسي لتفرغه للسياسة، وآلت الفتوى الحمصية إلى الشيخ بدر الدين الأتاسي.
اعتزل فيضي بن طاهر الأتاسي السياسة في منتصف الستينات وهو منها متمكن وعليها قادر، وقد كان لترويضها المثال النادر، وعاد إلى حمص فكان بين أسرته وأصدقائه، واستغل خلو الجو ولذة صفائه، فتفرغ لقراءة الكتب، وقد خط بقلمه على القصاصات بيوت شعر، لم يكتب لها أن تُجمع فتُطبع أو تُنشر. ، توفاه الله في تشرين الثاني عام 1982م، رحمه الله وأدخله جنانه

