المرحوم الشيخ عبد الستار الأتاسي
مفتي حمص الشيخ عبدالستار بن ابراهيم الأتاسي وهو المفتي الثامن من آل الأتاسي
توفي عام 1245 من الهجرة = 1829م
شيخ الإسلام العلامة عبدالستار أفندي بن ابراهيم أفندي الأتاسي، هو أحد أبناء ثلاثة للشيخ المفتي ابراهيم الأتاسي، وأخواه، عبدالغني وياسين، هما جدا البطن « العطاسي » الحمصي، ولا ندري إن كانا من الأم ذاتها التي أنجبت الشيخ عبدالستار، ولكننا نعلم أن والدة الأخير كانت طرابلسية من آل هاجر الأفيوني المنتمين لملوك آل عثمان، تزوجها والده ابراهيم بعد أن عزل عن حمص وتولى فتوى طرابلس كما جاء معنا في ترجمته. والشيخ عبدالستار هو جد الفروع الثلاثية، إذ أنه أنجب السادة العلماء الأنجاب سعيد ومحمد وأمين الأتاسي، ولكل من هؤلاء عقب كثير منتشر.
ولد في طرابلس الشام، وتربى على أيدي السادة الكرام، فأكب على تحصيل العلم من صغره، كما أنه تجرد لحسن العمل في كبره، وتولى رحمه الله التدريس في الجامع النوري، وقد حضر إلى دمشق المحمية، فأقبل على الأخذ من علمائها بهمة قوية، كالشيخ محمد الكزبري عمدة الأخيار، والشيخ محمد ابن عبيد العطار، وأخذ الفقه على مذهب أبي حنيفة النعمان عن الشيخ نجيب القلعي والسيد شاكر العقاد، وغيرهما من العلماء الأعيان.
وكان مكملاً في العلوم من منطوق ومفهوم، تهابه القلوب لفضله وتعظمه، ويجله العموم ويحترمه، مع أنه لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تدنيه الأماني عن المعاطب والمآثم، وله شعر لطيف رقيق، ونثر أعذب من الرحيق، ومفاكهات أدبية، ومناسبات لما يخل الأدب أبية.
توفي رحمه الله في معان بعد أداء الحج الشريف، ودفن هناك، وقبره على يسار الداخل إلى معان من جهة الحجاز، وقد صين قبره بأربعة جدر من اللبن، وما شاع عند أهل معان من أن صاحب هذا القبر اسمه الشيخ عبدالله فهو مما جرت به العادة بين الناس غالباً من أن كل من مات غريباً في محل وكان ذا قدر ولم يعرفوه فإنهم يسمونه بالشيخ عبدالله، وكانت وفاته سنة خمس وأربعين بعد المائتين والألف (1829م) رحمه الله تعالى.
وكان الأتاسي قد عاد إلى حمص واستعاد منصب الفتوى، منصب آبائه وأجداده، بعد أن كان والده قد عزل عنه. وقد رسم له بالإفتاء عام 1220 من الهجرة (1805م) بعد وفاة مفتي حمص-في الغالب- عبدالحميد ابن عبدالوهاب السباعي، تلميذ أبي المترجم، وبذلك استقامت للشيخ عبدالستار الفتوى الحمصية مدة ربع قرن حتى توفي عام 1245 الهجري (1829م)[2]. وبالإضافة إلى وظائف الفتوى والتدريس بالجامع النوري الكبير ورث العلامة الأتاسي النظر على وقف أجداده مسجد دحية الكلبي رضي الله عنه كما تدل عليه وقفيته المؤرخة عام 1242 من الهجرة (1827م)، ولعله تولاه بالإمامة كذلك[3].
وقد اشتهر علم الأتاسي وعرف نبوغه وأشار إلى ذك الكثير من العلماء، فكان حفيده العلامة خالد الأتاسي يصفه في إجازاته التي يتصل سنده فيها في نقل العلم بجده عبدالستار « بعلامة الأقطار »، وكان ابن حفيده العلامة طاهر الأتاسي يصفه في إجازاته بأنه « علامة زمانه على الإطلاق
وفي حمص تولى الأتاسي التدريس فأقبل عليه طلاب العلم ونهلوا من معينه الغزير، وأخذ عنه الكثير من علمائها، وكان ينيط بهم التدريس والخطابة في المساجد إن وجد أهلية فيهم لذلك، ومن هؤلاء شاعر عصره الأكبر المشهور، الشيخ أمين الجندي العباسي[7]، صاحب الموشحات المعروفة، الذي لازم المفتي الأتاسي وأفاد منه، وكان بين السيد الأتاسي وبين السيد الجندي مساجلات شعرية، أغلبها في المدائح الشعرية[8]. ومما قاله الجندي قصيدة في مدح شيخه الأتاسي لما زار الأخير المدينة المنورة عام 1245 من الهجرة (1829م)[9]:
ومن الذين طلبوا العلم عليه الشيخ العالم الجواد السيد الشريف سليم صافي المتوفي في حمص عام 1881م[10]، ومنهم أولاده العلماء الذين أخذوا عنه ورووا الحديث بسنده عن الشمس الكزبري[11].
ونذكر هنا قصة عن اريحية العلامة الأتاسي وإغاثته للملهوف تروى بالتواتر أفادني بها السيد محمد نافذ بن طلعت الأتاسي يرويها هو عن عمه السيد محمد سري بن راغب بن محمد أمين بن عبدالستار الأتاسي وهو بدوره يرويها عن والده عن جده ابن المترجم. كان المفتي عبدالستار الأتاسي يسكن بالدار المعروفة بدار المفتي والتي هدمت في أواخر القرن الماضي والتي كان بجانبها الصيباط المعروف بصيباط المفتي (ولا يزال ذلك الحي يعرف بحي المفتي)، وكان يسكن معه في ذلك القصر زوجته وأولاده الثلاثة سعيد ومحمد وأمين، وفي تلك الأيام كان الأمن غير مستتب بسبب غارات البدو واللصوص المتكررة على المدينة ولذلك كانت أبواب المدينة تغلق قبل الغروب. وحدث ذات يوم أن أغار البدو من جهة باب تدمر على حي المسيحيين في منطقة بستان الديوان فهربت عشرات الأسر مع أطفالها من ذلك الحي ولجأت إلى بيت المفتي عبدالستار الأتاسي تحت الصيباط بعد أن نصحها رجال المنطقة بذلك، فاستقبل المفتي وأولاده هذه العوائل في القصر وأغلق باب الدار الذي كان سميكاً كباب الحصون بعد أن فرت الأسر القاطنة في المنازل المجاورة خشية فتك البدو وبأسهم. ترجم للأتاسي العلامة البيطار في حلية البشر، والدكتور الشيخ محمد عبداللطيف صالح الفرفور في « ابن عابدين وأثره في الفقه الإسلامي »، والدكتور عبدالإله النبهان في مقالة بعنوان « لمحات من أدب أواخر العهد العثماني » في مجلة تراث العرب. رحم الله الأتاسي رحمة واسعة وأسكنه جناناً شاسعة
