الحسامي في مصر
اليكم الرواية المصريه عن تاريخ الحسامي
اسرة الحسامي لمحة تاريخية
يعود نسب اسرة الحسامي- اصلا حسام الدين- الى القرن الثالث عشر حيث عاش مؤسس الأسرة الأمير حسام الدين لا جين الملقب بالصغير مع بداية القرن الثالث عشر في مصر ابان عهد الأمير سبف الدين فلاوون الذي اغدق عليه هذ اللقب بعد ان كان مملوكا واشتراه ثم اعتقه وضمه الى امراء قصرة وبعد وفاة سيف اليدن قلاوون تسلم ابنه الأشرف خليل فلاوون الذي حاول اكثر من مرة ابعاد حسام الدين وقتله اللا ان حسام الدين نال منه وتسلم السلطنة خلفا له حتى قتل غدار وهو يصلي .
من هو حسام الدين الذي حكم في مصر ودمشق وطرابلس وشارك في الحملات الصليبية وتصدى لغزو المغول وحارب الصليبيين وشارك في حصار عكا ؟
السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري المعروف بالصغير
كان أولاً من جملة مماليك الملك المنصور علي بن الملك المعز أيبك، الذي كان زوج شجرة الدر فلما خُلع اشتراه الأمير سيف الدين قلاوون وهو أمير بسبعمائة وخمسين درهماً، من غير مالك شرعي، فلما تبين له أنه من مماليك المنصور اشتراه مرة ثانية، بحكم بيع قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز له عن المنصور وهو غائب ببلاد الأشكري. وعرف حين بيعه بشقير، فربي عند قلاوون وقيل له لاجين الصغير، وترقى في خدمته من الأوشاقية إلى السلاح دارية. ثم أمّره قلاوون واستنابه بدمشق لما ملك، وهو لا يعرف إلا بلاجين الصغير، فشكرت سيرته في النيابة، وأحبته الرعية لعفته عما في أيديهم، فلما ملك الأشرف خليل بن قلاوون قبض عليه وعزله عن نيابة دمشق، ثم أفرج عنه وولاه إمرة السلاح دار كما كان قبل استنابته على دمشق. ثم بلغه أن الأشرف يريد القبض عليه ثانياً، ففر من داره بدمشق، فقبض عليه وحمل إلى قلعة الجبل، وأمر بخنقه قدام السلطان. ثم نجا من القتل بشفاعة الأمير بدر الدين بَيدرا، وأعيد إلى الخدمة على عادته، واشترك مع بيدرا في قتل الأشرف خليل…ثم اختفى خبره مدة، وتنقل في المدن إلى أن تحدث الأمير زين الدين كتبغا في أمره، فعفي عنه وأعيد إلى إمرته كما كان. فلما صار زين الدين كتبغا سلطاناً، استقر لاجين في نيابة السلطنة بديار مصر، إلى أن ركب على كتبغا وفر منه
من صفاته «
« كان أشقر أزرق العينين معرق الوجه، طوالاً مهيباً شجاعاً مقداماً، عاقلاً متديناً يحب العدل ويميل إلى الخير ويحب أهله، جميل العشرة مع تقشف وقلة أذى. وأبطل عدة مكوس وقال: » إن عشت لاتركت مكساً البتة. » وكان يحب مجالسة الفقهاء والعامة ويأكل طعامهم، وكان أكولاً. »
كما يصفه المقريزي بالتقوى وبأنه اهتم باليتامى وأكثر لهم من أموال الأمراء وحافظ على حقوق الوارثين في أراضيهم وحاول رد ما أخذه
من أموال بصور غير شرعية. كما يقول أنه كان: »شجاعاً مقداماً على أقرانه في الفروسية وأعمالها، كثير الوفاء لمعارفه وخدامه. »
أما ابن تغري بردي فيقول عن المنصور لاجين في مورد اللطافة: » كان المنصور من أعقل الناس وأحسنهم وأحشمهم وأشجعهم وهو الذي
عمر الجامع الطولوني خارج القاهرة بعدما كان أشرف على الخراب، وأوقف عليه هذه الأوقاف الجليلة
فقد اقام السلطان حسام الدين لاجين سنة 696 هجرية = 1296/ 97م عدة إصلاحات هامة في الجامع واهمها : –
1 – القبة المقامة وسط الصحن والتى حلت محل القبة التى شيدها الخليفة الفاطمى العزيز بالله سنة 385 هجرية = 995م وكانت القبة الأصلية قد احترقت سنة 376 هجرية = 986م
2 – ترميم المئذنة الحالية ذات السلم الخارجى
3 – المنبر الخشبى
4 – كسوة الفسيفساء والرخام للمحراب الكبير قاعدة القبة التى تعلو هذا المحراب محرابا من الجص مشابها للمحراب المستنصرى بالكتف المجاورة له
5 – صناعة كثيرا من الشبابيك الجصية
6 – إقامة سبيلا بالزيادة القبلية ثم قام بتجديده قايتباى فيما بعد ثم قامت بترميمه إدارة حفظ الآثار العربية أخيرا.
ويبدو جامع ابن طولون في صورته المعاصر ه على ىالشكل التالي
ويبلغ طول الجامع 138 مترا وعرضه 118 مترا تقريبا يحيط به من ثلاثة جهات – البحرية والغربية والقبلية – ثلاث زيادات عرض كل منها 19 متراويكون الجامع مع هذه الزيادات مربعا طول ضلعه 162 متر على وجه التقريب من صحن مكشوف مربع طول ضلعه 92 مترا يتوسطه قبة محمولة على رقبة مثمنة ترتكز على قاعدة مربعة بها أربع فتحات معقودة وبوسطها حوض للوضوء ويوجد سلم داخل سمك حائطها البحرية يصعد منه إلى منسوب الرقبة, . ويحيط بالصحن أربعة أروقة أكبرها رواق القبلة ويشتمل على خمسة صفوف من العقود المدببة المحمولة على أكتاف مستطيلة القطاع استديرت أركانها على شكل أعمدة ملتصقة ويشمل كل من الأروقة الثلاثة الأخرى على صفين فقط. ويغطى الأروقة الأربعة سقف من الخشب حديث الصنع وبأسفلة ركب الإزار الخشب القديم المكتوب عليه من سور القرآن الكريم بالخط الكوفى المكبر. الصورة المقابلة بواكى جامع أبن طولون
ويتوسط الزيادة الغربية الفريدة فى نوعها والتى لا توجد مثيلة لها فى مآذن القاهرة وأغلب الظن أنها اقتبست سلمها الخارجى من المنارة الأصلية للجامع وبنيت على نمط مئذنة سامرا وهى بنيت مربعة من أسفل ثم أسطوانية وتنتهى مثمنة تعلوها قبة ويبلغ ارتفاعها أربعين مترا.
وشبابيك جامع أبن طولون جصية مفرغة متنوعة الأشكال ومختلفة العهود بين كل منها تجويفة مخوصة , أما الوجهات تنتهى أسوار الزيادات بشرفات مفرغة
ويقابل كل باب من أبواب الجامع بابا فى سور الزيادة ذلك عدا بابا صغيرا فتح فى جدار القبلة كان يؤدى إلى دار الإمارة التى أنشأها أحمد بن طولون شرق الجامع. ويتوسط جدار القبلة المحراب الكبير الذى لم يبقى من معالمه الأصلية سوى تجويفه والأعمدة الرخامية التى تكتنفه وأعلى الجزء الواقع أمام المحراب قبة صغيرة من الخشب بدائرها شبابيك جصية مفرغة محلاة بالزجاج الملون وبجانب المحراب منبر امر بصتعه السلطان حسام الدين لاجين أيضا وحل محل المنبر الأصلى وهو مصنوع من الخشب المجمع على هيئة أشكال هندسية تحصر بينها حشوات محلاة بزخارف دقيقة بارزة وهذا المنبر والتجديد تم فى حشوه فقط لهذا يعتبر من حيث القدم ثالث وأجمل المنابر القائمة بمصر
الأمير حسام الدين يشارك في الحروب الصليبية
خرج الأشرف خليل من القاهرة في (صفر 690هـ= 1291م) قاصدًا « عكا »، وأرسل في الوقت نفسه إلى كل ولاته بالشام بإمداده بالجنود والعتاد، ونودي في الجامع الأموي بدمشق بالاستعداد لغزو « عكا » وتطهير الشام نهائيًا من الصليبيين، واشترك الأهالي مع الجند في جر المجانيق.
وخرج الأمير « حسام الدين لاجين » نائب الشام بجيشه من « دمشق »، وخرج الملك المظفر بجيشه من « حماة »، وخرج الأمير « سيف الدين بلبان » بجيشه من « طرابلس »، وخرج الأمير « بيبرس الدوادار » بجيشه من « الكرك »، وتجمعت كل هذه الجيوش الجرارة عند أسوار عكا، وقدر عددها بنحو ستين ألف فارس، ومائة وستين ألفًا من المشاة؛ مجهزين بالأسلحة وعدد كبير من آلات الحصار، وبدأت في فرض حصارها على « عكا » في (ربيع الآخر 690هـ= 5 من إبريل 1291م)، ومهاجمة أسوارها وضربها بالمجانيق؛ وهو ما مكنهم من إحداث ثقوب في سور المدينة.
اشتد الحصار الذي دام ثلاثة وأربعين يومًا، وعجز الصليبيون عن الاستمرار في المقاومة، ودب اليأس في قلوبهم؛ فخارت قواهم، وشق المسلمون طريقهم إلى القلعة، وأجبروا حاميتها على التراجع؛ فدخلوا المدينة التي استسلمت، وشاعت الفوضى في المدينة، بعد أن زلزلت صيحات جنود المماليك جنبات المدينة، وهز الرعب والفزع قلوب الجنود والسكان؛ فاندفعوا إلى الميناء في غير نظام يطلبون النجاة بقواربهم إلى السفن الراسية قبالة الشاطئ؛ فغرق بعضهم بسبب التدافع وثقل حمولة القوارب.
انهارت المدينة ووقع عدد كبير من سكانها أسرى في قبضة المماليك، وسقطت في يد الأشرف خليل في (17 من جمادى الأولى 690هـ= 18 مايو 1291م)، ثم واصل سعيه لإسقاط بقية المعاقل الصليبية في الشام؛ فاسترد مدينة « صور » دون مقاومة، و »صيدا » ودمرت قواته قلعتها، وفتح « حيفا » دون مقاومة، و »طرسوس » في (5 من شعبان 690هـ= 3 من أغسطس 1291م)، و »عثليث » في (16 من شعبان 690هـ).
ظلت الجيوش المملوكية تجوب الساحل الشامي بعد جلاء الصليبيين من أقصاه إلى أقصاه بضعة أشهر تدمر كل ما تعتبره صالحًا لنزول الصليبيين إلى البر مرة أخرى، وبهذا وضع « الأشرف خليل » بشجاعته وإقدامه خاتمة الحروب الصليبية.
عاد السلطان إلى القاهرة يحمل أكاليل النصر، وسار موكبه في الشوارع يسوق أمامه عددًا كبيرًا من الأسرى، وخلفهم جنوده البواسل يحملون أعلام الأعداء منكسة، ورؤوس قتلاهم على أسنة الرماح
محاولات قتل الأمير حسام الدين
يبدو من روايات المؤرخين أن السلطان الأشرف خليل بن السلطان قلاوون لم يكن يظهر الاحترام الواجب للأمراء الكبار حتى وصل بهم الأمر إلى قتله. ساءت العلاقة بين الأشرف خليل وحسام الدين لاجين بسبب الوشايات وبسبب غضب السلطان على حميه الأمير ركن الدين بيبرس طقصوا. قبض السلطان على لاجين وحميه وآخرين وأخرجوا من الجب ليُخنقوا وخنقوا جميعاً حتى ماتوا عدا لاجين.
يقول المقريزي في نفس الكتاب: « وتولى خنق لاجين الأمير قراسنقر، فلما وضع الوتر في عنقه انقطع، فقال: »يا خوند ما لي ذنب إلا حميي طقصوا وقد هلك، وأنا أطلق ابنته. » وكان قراسنقر له به عناية، فتلطف ولم يعجل عليه، لما أراد الله من أن لاجين يقتل الأشرف ويملك موضعه، وانتظر أن تقع به شفاعة. فشفع الأمير بدر الدين بيدرا في لاجين، وساعده من حضر من الأمراء، فعفى عنه ظناً أنه لا يعيش… »
ثم كان أن استعدى وزير الأشرف خليل السلطان على الأمير بدر الدين بيدرا بسبب الكراهية بينهما. اشتد غضب السلطان على بيدرا وسبه بحضرة الأمراء فخاف بيدرا وجمع خشداشيته، ومنهم حسام الدين لاجين، وقرروا قتل السلطان. خرج السلطان في رحلة صيد ووصل خبر إلى بيدرا وجماعته أن السلطان سبق باقي الأمراء وليس معه سوى أمير واحد فلحقوا به. ضربه بيدرا أولاً فلم يقتله فتقدم لاجين قائلاً: « يا بيدرا! من يريد ملك مصر والشام تكون هذه ضربته. » وضرب السلطان فأسقطه إلى الأرض.
اجتمع المماليك السلطانية بعد ذلك وقادهم زين الدين كتبغا ليقتلوا بيدرا وجماعته. قصد الأمير كتبغا بيدرا في المعركة بسهمه صائحاً: »يا بيدرا! أين السلطان؟ » وتبعه الباقين بسهامهم فمات بيدرا وتمكن لاجين من الهرب من الموت المحقق للمرة الثانية مع الأمير قراسنقر.
تقول بعض الروايات أن لاجين ظل مختبئاً بعد ذلك في جامع ابن طولون الذي كان مهجوراً في ذلك الوقت وأنه نذر إن قدر الله له أن ينجو ويصل إلى السلطنة أن يصلح هذا الجامع. بعد ثلاث سنوات من ذلك – في عام 1296 م – يشاء الله أن يصل لاجين إلى السلطنة بالفعل ليحكم لمدة سنتين وشهرين.
بعد هروبهما بفترة، ظهر لاجين وقراسنقر من الاستتار واستعانا بأحد أمراء زين الدين كتبغا – الذي كان نائب السلطان – فتوسط لهما كتبغا فعفا عنهما السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي كان طفلاً في ذلك الوقت. وأصلح كتبغا بينهم وبين باقي الأمراء. يقول المقريزي: »كانت هذه الفعلة من كتبغا مع لاجين كعنز السوء بحثت عن حتفها بظلفها. »
كان أن خلع الأمراء السلطان الناصر محمد بعد ذلك وأقاموا كتبغا مكانه. حكم كتبغا سنتان ولى فيهما لاجين نيابة مصر. وبسبب المؤامرات والصراعات قرر الأمراء التخلص من كتبغا وكان أولهم لاجين ولكن كان كتبغا محظوظاً فتمكن من الهرب قبل أن يقتل ووصل إلى دمشق وخلع نفسه من السلطنة هناك. تولى لاجين السلطنة وقرر إرسال السلطان السابق الصغير صاحب الحق بالوراثة – السلطان الناصر محمد بن قلاوون – إلى الكرك. ينقل المقريزي الحديث بين لاجين والناصر محمد فيقول أن لاجين خاطب الناصر قائلاً: »لو علمت أنهم يخلوك سلطاناً والله تركت الملك لك، لكنهم لا يخلونه لك. وأنا مملوكك ومملوك والدك، أحفظ لك الملك… » وتم الاتفاق بين الاثنين على أن يبقي لاجين على حياة الناصر ليعيش في الكرك حتى يكبر ويقوى ويرجع لسلطنته على شرط أن يعطي لاجين نيابة دمشق.
ولاية الأمير حسام الدين لا جين على دمشق
وأما حسام الدين لاجين فإنه تسلطن يوم الجمعة عاشر صفر وركب يوم الخميس سادس عشر صفر وشق القاهرة وتم أمره وأما الملك العادل كتبغا هذا فإنه استمر بقلعة دمشق إلى أن عاد الأمير جاغان المنصوري الحسامي إلى دمشق في يوم الاثنين حادي عشر شهر ربيع الأول وطلع من الغد إلى قلعة دمشق ومعه الأمير الكبير حسام الدين الظاهري أستاذ الدار في الدولة المنصورية والأشرفية والأمير سيف الدين كجكن وحضر قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة قاضى دمشق ودخلوا الجميع إلى الملك العادل كتبغا فتكلم معهم كلامًا كثيرًا بحيث إنه طال المجلس كالعاتب عليهم ثم إنه حلف يمينًا طويلة يقول في أولها: أقول وأنا كتبغا المنصوري ويكرر اسم الله تعالى في الحلف مرة بعد مرة أنه يرضى بالمكان الذي عينه له السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين ولا يكاتب ولا يسارر وأنه تحت الطاعة وأنه خلع نفسه من الملك وأشياء كثيرة من هذا النموذج ثم خرجوا من عنده.
وكان المكان الذي عينه له الملك المنصور لاجين قلعة صرخد ولم يعين المكان المذكور في اليمين.
ثم ولى الملك المنصور نيابة الشام للأمير قبجق المنصوري وعزل أغزلو العادلي فدخل قبجق إلى دمشق في يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول وتجهز الملك العادل كتبغا وخرج من قلعة دمشق بأولاده وعياله ومماليكه وتوجه إلى صرخد في ليلة الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الأول المذكور وجردوا معه جماعة من الجيش نحو مائتي فارس إلى أن أوصلوه إلى صرخد.
فكانت مدة سلطنة الملك العادل كتبغا هذا على مصر سنتين وثمانية وعشرين يومًا وقيل سبعة عشر يومًا وتسلطن من بعده الملك المنصور حسام الدين لاجين حسب ما تقدم ذكره.
مقتل الأمير حسام الدين
كسابقيه، جاء دور لاجين وتصارع أمراؤه فقتل في يوم كان أصبحه صائماً. كان جالساً يلعب الشطرنج بعد الإفطار فدخل عليه أحد أمرائه الموثوق بهم و انتهز فرصة قيامه للصلاة فضرب كتفه كما ضرب لاجين الأشرف خليل من قبل ثم أجهز عليه باقي المتآمرون.
يقول المقريزي أن لاجين كان يعرف أنه لابد مقتول منذ أن قتل الملك الأشرف حتى أنه يوم اغتياله ظل يردد: « من قَتَل قُتل. »
كان خطأ السلطان الأشرف خليل هو عدم احترامه للأمراء الكبار ولكنه كان من الفاتحين. استهل سلطنته بفتح عكا.
أما لاجين الذي قدر له أن ينجو وهو على وشك الموت أكثر من مرة، والذي عاش حياته في صراعات مستمرة متوقعاً نفس النهاية التي انتهى بها غيره والتي كان هو أحد وسائلها في أكثر من حالة،
لمحة عن دولة المماليك
شاءت الأقدار أن تكون دولة المماليك التي خرجت من رحم الأخطار العاتية التي أحدقت بالعالم الإسلامي هي التي تحمل على كاهلها تصفية الوجود الصليبي، ووقف الزحف المغولي المدمر الذي سحق في طريقه كل شيء، وزرع الفزع والهلع في نفوس الناس، وكاد يهلك ويدمر معالم الحضارة الإسلامية، ولو لم يكن لهذه الدولة من المفاخر سوى هذا لكفاها فخرًا، فما بالك وقد أحيت الخلافة العباسية في القاهرة، وازدهرت في ربوعها الفنون والعلوم والعمارة.
المماليك والحروب الصليبية
وكان أول نجاح أحرزه المماليك في وجه الصليبيين هو انتصارهم في معركة المنصورة المعروفة، وإيقاعهم بالملك الفرنسي « لويس التاسع »، زعيم الحملة الصليبية السابعة أسيرا، ولم يفرج عنه إلا بعد أن تعهد بألا يقصد شواطئ الإسلام مرة أخرى.
وواصل « الظاهر بيبرس » الجهاد ضد الصليبيين، ووضع برنامجًا طموحًا للقضاء عليهم وطردهم من الشام، وبدأت هجماته وحملاته في وقت مبكر من توليه السلطنة؛ فهاجم إمارة إنطاكية سنة (660هـ= 1262م) وكاد يفتحها، ثم بدأ حربه الشاملة ضد الصليبيين منذ عام (663هـ= 1265م) ودخل في عمليات حربية ضد إمارات الساحل الصليبي، وتوج أعماله العظيمة بفتح مدينة إنطاكية سنة (666هـ= 1268م)، بعد أن ظلت رهينة الأسر الصليبي على مدى أكثر من مائة وخمسين عامًا، وكان ذلك أكبر انتصار حققه المسلمون على الصليبيين منذ أيام حطين واسترداد بيت المقدس.
وواصل المماليك جهادهم ضد الصليبيين في عهد السلطان « المنصور قلاوون »، الذي تولى السلطنة في سنة (678هـ= 1279م)، فاستولى على « حصن المرقب » سنة (684هـ= 1285م)، واسترد « اللاذقية » سنة (686هـ= 1287م)، وفتح « طرابلس » بعد حصار دام شهرين في (688هـ= 1289م) ثم تلتها « بيروت » و »جبلة »، ولم يبق للصليبيين في الشام سوى « عكا » و »صيدا » و »عثليت » وبعض المدن الصغيرة، وتجهز لفتح « عكا »، غير أن المنية كانت أسبق من إنجاز حلمه؛ فتوفي في (ذي القعدة 689هـ= نوفمبر 1290م).
الأشرف خليل
وبعد وفاته خلفه على السلطنة ابنه « الأشرف خليل »، وشاء الله تعالى أن يطوي آخر صفحة للحروب الصليبية على يديه، وأن ينهي الفصل الأخير من القصة الدامية للحروب الصليبية في بلاد الشام.
لم يكن « الأشرف خليل » محبوبًا من أمراء المماليك، حتى إن أباه لم يكتب له ولاية العهد؛ بسبب شدته وصرامته واستهانته بأمراء المماليك، لكنه كما يقول « ابن إياس » في « بدائع الزهور »: « كان بطلاً لا يكل من الحروب ليلاً ونهارًا، ولا يعرف في أبناء الملوك من كان يناظره في العزم والشجاعة والإقدام ».
استهل « الأشرف » حكمه بالتخلص من بعض رجال الدولة البارزين، الذين كانت لهم السطوة والنفوذ في عهد أبيه، وبإحلال الأمن في جميع ربوع البلاد، وبدأ في الاستعداد لمواصلة الجهاد ضد الصليبيين، وإتمام ما كان أبوه قد بدأه، وهو فتح عكا، وإنهاء الوجود الصليبي.
الاستعداد للمعركة
خرج الأشرف خليل من القاهرة في (صفر 690هـ= 1291م) قاصدًا « عكا »، وأرسل في الوقت نفسه إلى كل ولاته بالشام بإمداده بالجنود والعتاد، ونودي في الجامع الأموي بدمشق بالاستعداد لغزو « عكا » وتطهير الشام نهائيًا من الصليبيين، واشترك الأهالي مع الجند في جر المجانيق.
وخرج الأمير « حسام الدين لاجين » نائب الشام بجيشه من « دمشق »، وخرج الملك المظفر بجيشه من « حماة »، وخرج الأمير « سيف الدين بلبان » بجيشه من « طرابلس »، وخرج الأمير « بيبرس الدوادار » بجيشه من « الكرك »، وتجمعت كل هذه الجيوش الجرارة عند أسوار عكا، وقدر عددها بنحو ستين ألف فارس، ومائة وستين ألفًا من المشاة؛ مجهزين بالأسلحة وعدد كبير من آلات الحصار، وبدأت في فرض حصارها على « عكا » في (ربيع الآخر 690هـ= 5 من إبريل 1291م)، ومهاجمة أسوارها وضربها بالمجانيق؛ وهو ما مكنهم من إحداث ثقوب في سور المدينة.
اشتد الحصار الذي دام ثلاثة وأربعين يومًا، وعجز الصليبيون عن الاستمرار في المقاومة، ودب اليأس في قلوبهم؛ فخارت قواهم، وشق المسلمون طريقهم إلى القلعة، وأجبروا حاميتها على التراجع؛ فدخلوا المدينة التي استسلمت، وشاعت الفوضى في المدينة، بعد أن زلزلت صيحات جنود المماليك جنبات المدينة، وهز الرعب والفزع قلوب الجنود والسكان؛ فاندفعوا إلى الميناء في غير نظام يطلبون النجاة بقواربهم إلى السفن الراسية قبالة الشاطئ؛ فغرق بعضهم بسبب التدافع وثقل حمولة القوارب.
انهارت المدينة ووقع عدد كبير من سكانها أسرى في قبضة المماليك، وسقطت في يد الأشرف خليل في (17 من جمادى الأولى 690هـ= 18 مايو 1291م)، ثم واصل سعيه لإسقاط بقية المعاقل الصليبية في الشام؛ فاسترد مدينة « صور » دون مقاومة، و »صيدا » ودمرت قواته قلعتها، وفتح « حيفا » دون مقاومة، و »طرسوس » في (5 من شعبان 690هـ= 3 من أغسطس 1291م)، و »عثليث » في (16 من شعبان 690هـ).
ظلت الجيوش المملوكية تجوب الساحل الشامي بعد جلاء الصليبيين من أقصاه إلى أقصاه بضعة أشهر تدمر كل ما تعتبره صالحًا لنزول الصليبيين إلى البر مرة أخرى، وبهذا وضع « الأشرف خليل » بشجاعته وإقدامه خاتمة الحروب الصليبية.
عاد السلطان إلى القاهرة يحمل أكاليل النصر، وسار موكبه في الشوارع يسوق أمامه عددًا كبيرًا من الأسرى، وخلفهم جنوده البواسل يحملون أعلام الأعداء منكسة، ورؤوس قتلاهم على أسنة الرماح.
قلاوون وقطز!
ولم تطل مدة حكم الأشرف خليل أكثر من ثلاث سنوات وشهرين وأربعة أيام؛ فقد كان الود مفقودًا بينه وبين كبار المماليك، وحل التربص وانتظار الفرصة التي تمكن أحدهما من التخلص من الآخر محل التعاون في إدارة شئون الدولة، وكانت يد الأمراء المماليك أسرع في التخلص من السلطان، ولم يشفع عندهم جهاد الرجل في محاربة الصليبيين؛ فكانت روح الانتقام والتشفي أقوى بأسًا من روح التسامح والمسالمة؛ فدبروا له مؤامرة وهو في رحلة صيد خارج القاهرة – كما فعل بقطز بعد انتصاره على التتار في عين جالوت- وتمكنوا من قتله في (12 من المحرم 693هـ= ديسمبر 1293م) وبقيت جثته ملقاة في الصحراء أيامًا إلى أن نُقلت إلى القاهرة؛ حيث دفنت بالمدرسة التي أنشأها لنفسه بالقرب من ضريح السيدة نفيسة.
مقتل الأمير حسام الدين لاجين وعود الملك الى محمد بن قلاوون .
لما كان يوم السبت التاسع عشر ربيع الاخر وصل جماعة من البريدية وأخبروا بقتل السلطان الملك المنصور لاجين ونائبه سيف الدين منكوتمر وأن ذلك كان ليلة الجمعة حادي عشره على يد الأمير سيف الدين كرجي الاشرفي ومن وافقه من الأمراء وذلك بحضور القاضي حسام الدين الحنفي وهو جالس في خدمته يتحدثان وقبل كانا يلعبان بالشطرنج فلم يشعرا إلا وقد دخلوا عليهم فبادروا الى السلطان بسرعة جهرة ليلة الجمعة فقتلوه وقتل نائبه صبرا صبيحة يوم الجمعة وألقى على مزبلة واتفق الأمراء على إعادة ابن استاذهم الملك الناصر محمد بن قلاوون فارسلوا وراءه وكان بالكرك ونادوا له بالقاهرة وخطب له على المنابر قبل قدومه وجاءت الكتب الى نائب الشام قبجق فوجدوه قد فر خوفا من غائلة لاجين فسارت إليه البريدية فلم يدركوه الا وقد لحق بالمغول عند رأس العين من اعمال ماردين وتفارط الحال ولا قوة الا بالله
وكان الذي شمر العزم وراءهم وساق ليردهم الأمير سيف الدين بلبان وقام باعباء البلد نائب القلعة علم الدين أرجواش والامير سيف الدين جاعان واحتاطوا على ما كان له اختصاص بتلك الدولة وكان منهم جمال الدين يوسف الرومي محتسب البلد وناظر المارستان ثم اطلق بعد مدة وأعيد الى وظائفه واحتيط ايضا على سيف الدين جاعان وحسام الدين لاجين والى البر وأدخلا القلعة وقتل بمصر الامير سيف الدين طغجي وكان قد ناب عن الناصر اربعة ايام وكرجي الذي تولى قتل لاجين فقتلا وألقيا على المزابل وجعل الناس من العامة وغيرهم يتأملون صورة طغجي وكان جميل الصورة ثم بعد الدلال والمال والملك وارتهم هناك قبور فدفن السلطان لاجين وعند رجليه نائبه منكوتمر ودفن الباقون في مضاجعهم هنالك
وجاءت البشائر بدخول الملك الناصر الى مصر يوم السبت رابع جمادي الاولى وكان يوما مشهودا ودقت البشائر ودخل القضاة وأكابر الدولة الى القلعة وبويع بحضرة علم الدين ارجواش وخطب له على المنابر بدمشق وغيرها بحضرة أكابر العلماء والقضاة والأمراء وجاء الخبر بأنه قد ركب وشق القاهرة وعليه خلعة الخليفة والجيش معه مشاة فضربت البشائر أيضا وجاءت مراسيمه فقرئت على السدة وفيها الرفق بالرعايا والأمر بالإحسان اليهم فدعوا له وقدم الأمير جمال الدين آقوش الافرم نائبا على دمشق فدخلها يوم الأربعاء قبل العصر ثاني عشرين جمادي الأولى فنزل بدار السعادة على العادة وفرح الناس بقدومه وأشعلوا له الشموع وكذلك يوم الجمعة أشعلوا له لما جاء إلى صلاة الجمعة بالمقصورة وبعد أيام أفرج عن جاعان ولاجين والى البر وعادا إلى ما كانا عليه واستقر الأمير حسام الدين الاستادار اتابكا للعساكر المصرية والأمير
سيف الدين سلار نائبا بمصر وأخرج الأعسر في رمضان من الحبس وولى الوزارة بمصر واخرج قراسنقر المنصوري من الحبس واعطى نيابة الصبيبة ثم لما مات صاحب حماة الملك المظفر نقل قراسنقر اليهما
وكان قد وقع في اواخر دولة لاجين بعد خروج قبجق من البلد محنة للشيخ تقي الدين بن تيمية قام عليه جماعة من الفقهاء وأرادوا احضاره الى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي فلم يحضر فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد سأله عنها أهل حماة المسماة بالحموية فانتصر له الأمير سيف الدين جاعان وأرسل يطلب الذين قاموا عنده فاختفى كثير منهم وضرب جماعة ممن نادى على العقيدة فسكت الباقون فلما كان يوم الجمعة عمل الشيخ تقي الدين الميعاد بالجامع على عادته وفسر في قوله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم ثم اجتمع بالقاضي امام الدين يوم السبت واجتمع عنده جماعة من الفضلاء وبحثوا في الحموية وناقشوه في اماكن فيها فأجاب عنها بما اسكتهم بعد كلام كثير ثم ذهب الشيخ تقي الدين وقد تمهدت الامور وسكنت الاحوال وكان القاضي امام الدين معتقده حسنا ومقصده صالحا
وفيها وقف علم الدين سنجر الدويدار رواقه داخل باب الفرج مدرسة ودار حديث وولى مشيخته الشيخ علاء الدين بن العطار وحضر عنده القضاة والأعيان وعمل لهم ضيافة وأفرج عن قراسنقر وفي يوم السبت حادي عشر شوال فتح مشهد عثمان الذي جدده ناصر الدين بن عبد السلام ناظر الجامع وأضاف اليه مقصورة الخدم من شماليه وجعل له اماما راتبا وحاكى به مشهد علي بن الحسين زين العابدين وفي العشر الأولى من ذي الحجة عاد القاضي حسام الدين الرازي الى قضاء الشام وعزل عن قضاء مصر وعزل ولده عن قضاء الشام وفيها في ذي القعدة كثرت الاراجيف بقصد التتر بلاد الشام وبالله المستعان وممن توفي فيها من الأعيان
لمحة عن حكم المماليك فيي رالمشرق العربي
إبان العصور الوسطى ابتغي العدوان الصليبي القادم من جهة الغرب التحالف مع الإعصار المغولي القادم من جهة الشرق للإطباق على العالم الإسلامي وتمزيق أوصاله وإخماد أنفاسه.
ورغم أن من مسلمات التاريخ أن الغالب المنتصر يؤثر في المغلوب المنهزم فيطبعه بطابعه السياسي والثقافي واللغوي وربما الاعتقادي في أحيان كثيرة، إلا أن هذه النظرية قد انقلبت وانعكست في مرات نادرة فأثر المغلوب المنهزم المتحضر في الغالب المنتصر البدوي البسيط؛ فطبعه بطابعه الثقافي واللغوي وحتى الاعتقادي
فالمعروف تاريخيا أنه بعد اكتساح الإعصار المغولي لمشرق العالم الإسلامي وسقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية في أيديهم انشطرت إمبراطوريتهم الواسعة إلى أربعة أقسام، كان القسم الأول هو الذي حكم في موطنهم الأصلي منغوليا وبلاد الصين وظل على البوذية وزال ملكه على يد أسرة حاكمة صينية، أما الثلاث الأخرى فهي:
الجغتائيون وكانوا بأواسط آسيا وبلاد ما وراء النهر.
والإيلخانيون بإيران والعراق وآسيا الصغرى.
والقبيلة الذهبية ببلاد القوقاز وشمالي بحر قزوين وجنوب روسيا.
وقد تتابعت هذه الفروع الثلاث الأخيرة إلى الدخول في الإسلام، فأسقط في يد الصليبيين وفشل مشروعهم الاستراتيجي للتحالف ضد المسلمين، وتحول البرابرة رعاة الأغنام والبقر إلى صناع حضارة ورعاة بشر وحرصوا على إصلاح حال البلاد التي خضعت لهم وشجعوا العلوم والمعارف وحفل بلاطهم بالعلماء من كل علم وفن. فعمرت بهم البلاد بعد خرابها.
بيبرس وبركة خان
وقد كانت القبيلة الذهبية أسبق الفروع الثلاثة إلى الإسلام، وهي التي امتد نفوذها من أواسط بولندا في الغرب حتى وسط سيبيريا في الشرق، ومن المحيط المتجمد الشمالي حتى أذربيجان وجنوب خوارزم.
وقد كان بركة خان بن جوجي بن جنكيزخان ( 654 ـ 664هـ / 1256 – 1266م ) أول حكام هذه الدولة اعتناقا للإسلام، وقد جرت المراسلات بينه وبين السلطان المملوكي الظاهر بيبرس وتحالف معه ضد ابن عمه هولاكو بن تولوي بن جنكيز خان وسلالته من الإيلخانيين بإيران والعراق وآسيا الصغرى.
وتوثقت عرى هذه الصداقة بزواج بيبرس من ابنة بركة، وقد أثمر هذا الزواج ابنا صار فيما بعد السلطان السعيد بركة خان ( 676 ـ 678هـ / 1277 – 1279م).
بعد وفاة بركة خان ولي الأمر من جديد خانات مشركون ولم يستقر الإسلام نهائيا في دولة القبيلة الذهبية إلا في عهد أوزبك خان وهو غياث الدين محمد بن طغرلجي بن منكوتيمور بن توخان بن باتوين جوجي بن جنكيز خان، الذي وصف عند توليه عرش السلطنة بأنه شجاع، صالح لأعباء الملك ومباشرة أمور السلطنة.
صفاته ومآثره
وقد مَن الله على أوزبك خان باعتناق الإسلام حوالي سنة 720هـ / 1320م، وحسن إسلامه فكان محافظا على العبادات يصلى مع الناس، مترددا على الفقراء مقربا للعلماء.
وقد عارض إسلامه كثير من أهله وعشيرته من التتر لكنه لم يتردد وأصر على ما أقدم عليه بل تحول إلى راع لهذا الدين شديد الحماس لنشره.
بلغت هذه الدولة في عهد السلطان أوزبك أوج قوتها وحمت حدودها، التي سبقت الإشارة إليها، وروضت أعدائها، مما حدا بالرحالة ابن بطوطة، الذي زار البلاد في عهد هذا السلطان، أن يصفه بقوله: « وهذا السلطان العظيم المملكة شديد القوة كبير الشأن رفيع المكان قاهر لأعداء الله أهل قسطنطينية العظمي، مجتهد في جهادهم، وبلاده متسعة ومدنه عظيمة… وهو أحد الملوك السبعة الذين يعدون من كبراء الدنيا وعظماؤها ».
ورغم اتساع سلطنته وترامي أظفارها فقد دانت له دون مناوئ بما فيها الأقاليم الروسية التي دفعت لسلاطين القبيلة الذهبية الجزية لمدة طويلة بلغت قرنين ونصف قرن من الزمان، بما فيها إمارة موسكو، وصار أمراؤها أتباعا ومحاسيب للخان التتري، على حد تعبير أحد الباحثين الغربيين، روبرت كونكوست: « قتله الأمم » ترجمة: صادق العودة عمان سنة 1988م.
وقد كان ينوب عن اوزبك في البلاد الروسية نائب من المغول أو الأمراء الروس يراقب استقرار أمورها والتزامها بالطاعة ودفع الجزية.
وقد اعتبر « بارتولد »، المستشرق الروسي المتخصص في تاريخ هذه المنطقة، دولة مغول القبلية الذهبية أكثر الفروع المغولية استقرارا، وأنها وصلت إلى درجة عالية من المدنية « بارتولد: تاريخ الترك في آسيا الوسطى » ترجمة: د. السعيد سليمان.
نفوذ وقوة
وقد عمل ذيوع صيت السلطان أوزبك واتساع نفوذه على انتساب قبائل كبيرة ببلاد القوقاز وآسيا الوسطى إلى اسمه وهم المعروفون تاريخيا بشعب الأوزبك، الذين يشكلون الآن، مع غيرهم من العناصر، لجمهورية أوزبكستان أهم الجمهوريات الإسلامية بآسيا الوسطى بعد استقلالها عن النفوذ السوفيتي إثر انهياره.
وقد أعان السلطان أوزبك على بسط نفوذه وترسيخ هيبته جيش كثيف العدد، حضر من أمرائه عند السلطان في العيد، بحضور ابن بطوطة، سبعة عشر أمير تومان، والتومان عشرة آلاف. فجموع عسكر هؤلاء الأمراء مائة وسبعون ألفا.
وقد مكنته هذه القوى من فرض الأمن والاستقرار في ربوع مملكته الواسعة مترامية الأطراف، يشهد على ذلك أيضا ابن بطوطة الذي جال خلالها، حيث يذكر أنه ورفاقه في الترحال من أهل البلاد، كانوا إذا نزلوا حلوا الإبل والخيل والبقر عن العربات وسرحوها للرعي ليلا ونهارا دون رعاة أو حراس وذلك لشدة أحكامهم في السرقة.
وكما مكنته قوة جيشه من إنقاذ سلطانه وهيبته على رعيته داخل حدود السلطنة، هيأت له كذلك ترويض أعدائه، إلى درجة كبيرة، بالخارج. وقد تمثل أقوى هؤلاء الخصوم في طرفين هما: أباطرة بيزنطة، وهؤلاء يبدوا أنه أظهر لهم من مقدرته ما دعاهم إلى مهادنته وتزويجه إحدى أميراتهم.
أما الفريق الثاني فهم أبناء عمومته الإيلخانيون بإيران والعراق، والذين كانوا ـ حتى بعد إسلامهم ـ على عداء مع القبيلة الذهبية وحلفائها سلاطين المماليك بمصر والشام في معظم الأحيان.
دولة علم ورخاء
وكانت الدولة إضافة إلى كل ما سبق قد تمتعت برخاء اقتصادي رغم الطابع الصحراوي الغالب عليها، ويرجع ذلك إلى النشاط التجاري البارز، فقد عجت مدن وموانئ هذه البلاد بعملاء تجاريين من مختلف الأجناس.
وكان جزء كبير من تجارة القبيلة الذهبية يتم مع المماليك المتحكمين في عصب طرق التجارة العالمية بمصر والشام آنذاك.
وقد حظى العلماء بمنزلة طيبة في هذه البلاد زمن أوزبك، فكان يجلهم ويوقرهم، وعمل هذا على بروز عدد كبير منهم في عهده كأمثال:
ـ الشيخ علاء الدين النعمان الخوارزمي رحل إلى دمشق سنة 718 هـ ومنها للقاهرة وحج منها ورجع بعد أن طاف البلاد واجتمع بالفضلاء وحصل المنطق والطب، وقد صار كبير أطباء البيمارستان بخوارزم.
ـ العلامة على بن أبي بكر على النسفي، شرح قسما من « مفتاح العلوم » للسكاكي وأتمه سنة 719هـ، وأهداه إلى أوزبك خان.
ـ نجم الدين عبد الرحيم بن عبد الرحمن المعروف بابن النجام (ت سنة 730هـ) طوف بالبلاد وكان فقيها طبيبا.
ـ الشيخ برهان الدين إبراهيم البلغاري صاحب كتاب « أصول الحسامي ».
وغيرهم هؤلاء كثيرين، وما يؤكد كثرتهم أن أحد العلماء لقي السلطان أوزبك مسافرا فسأله السلطان عن أحوال مدينة قريم ـ ببحر القرم ـ فأجاب: كنا نسمع أن بها ستمائة مفت وثلاثمائة منصف وأنها بلدة معمورة بالعلم والصلاح.
سلطان التسامح
اشتهر السلطان أوزبك بتحمسه الشديد لنشر الإسلام وحرصه على تحويل الأهلين إليه، وقد أعان على ذلك التجار المسلمون الذين يجوبون هذه البلاد حاملين مع بضاعتهم أفكارهم التي يدعون الناس إليها عبر سلوكهم وأقوالهم، ونمو الطرق الصوفية وانتشارها وكثرة إتباعها وحيوية نشاطها عبر ما يسمى بجماعات « الأخُيَةَّ الفتيان » أي الإخوة الفتيان التي لم تكن منقطعة للعبادة فقط بل كان لكل منهم حرفة يمتهنها كما شاركوا في الجهاد ومد النفوذ الإسلامي.
رغم حماسه الشديد لنشر الإسلام فإن المؤرخين غير المسلمين منهم يذكرون أنه كان عظيم التسامح مع غير المسلمين من رعيته. فقد منح رعاياه من المسيحيين الحرية التامة في إقامة شعائرهم الدينية.
ومن أهم الوثائق التي تسترعى الانتباه في هذا الصدد ذلك العهد الذي منحه لكنيسة القديس بطرس ـ كبرى الكنائس الروسية سنة 1313م ـ ومما جاء فيه : »بمشيئة العلي القدير وعظمته ورحمته من أوزبك إلى أمرائنا كبيرهم وصغيرهم وغيرهم، إن كنيسة بطرس مقدسة فلا يحل لحد أن يتعرض لها أو لأحد من خدامها أو قسيسيها بسوء، ولا أن يستولى على شيء من ممتلكاتها أو متاعها أو رجالها، ولا أن يتدخل في أمورها، لأنها مقدسة كلها. ومن خالف أمرنا هذا، بالتعدي عليها، فهو أثيم أمام الله وجزاؤه منا القتل ولندع المطران ينعم بالأمان والبهجة.. ولتكن شرائعهم وكنائسهم وأديارهم ومعابدهم محل الاحترام والتعظيم ».. أرنولد: « الدعوة إلى الإسلام ».
ولم يكن هذا المرسوم مجرد كلام إنشائي مثالي أجوف بل كان واقعا معيشا، يؤكد هذا تلك الرسالة التي بعث بها البابا يوحنا الثاني والعشرون سنة 1318م إلى الخان أوزبك يشكره فيها على ما أظهره من عطف نحو رعاياه المسيحيين.
وفي مقابل هذا التسامح الوافر من قبل الحاكمين المسلمين فإن الرعية غير المسلمة، خصوصا في مناطق تكاثرها، لم تكن تتنزه عند التعصب ضد المسلمين. فعندما وصل ابن بطوطة إلى مدينة « الكفا »، على القرم شمالي البحر الأسود، وكان معظم سكانها نصارى من أهل مدينة جنوة الإيطالية التجارية، نزل بمسجد المسلمين، وبعد ساعة سمع أصوات نواقيس الكنائس من كل ناحية، ولم يكن قد سمعها قبل ذلك، فهاله الأمر، وأمر أصحابه أن يصعدوا إلى أعلى المسجد ويقرءوا القرآن الكريم ويذكروا الله ويؤذنوا، ففعلو ذلك. فإذا برجل قد دخل عليهم وعليه السلاح فسلم عليهم وأخبرهم أنه قاض المسلمين وأنه حين سمع الآذان خاف عليهم من الأذى. رغم أن هذه المدنية كانت خاضعة لسلطان أوزبك.
وفي تمرد لبعض الروس المغول سنة 1327م قتلوا تجار التتار الذين كانوا يعايشونهم من فترة طويلة.
هذه ممارسات حاكم ينتمي لعنصر من البشر موصوف بالهمجية والبربرية وهم التتار المغول كما أنه هو نفسه كان حديث العهد بالإسلام، ومع ذلك تسامح إلى هذا الحد مع رعيته غير المسلمين متمشيا في سلوكه مع روحه عقيدة الإسلام الذي يقول قرآنه: « ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى
التركمان لمحة تاريخية :
قليلة هي المصادر التي تبحث عن واقع وهوية وتاريخ تركمان العراق خاصة،والتركمان عامة في منطقة شرق المتوسط.
وكتاب (أقليات في شرق المتوسط) تأليف فايز سارة ،هو أحد هذه المصادر.
ورغم أن الكتاب يبحث عن الأقليات في دول الشرق المتوسط عامة ، إلا أنه يتطرق بشكل مفصل إلى تركمان العراق والتركمان في البلدان الأخرى مثل إيران وسوريا والأردن ولبنان وفلسطين،وهو ما أود عرضه على قراء (موسوعةالرافدين) يرد في الكتاب حقيقة هامة، إلا وهي قدم وجود التركمان في شرق المتوسط .
حيث يرد أن قدومهم إلى المنطقة يسبق العثمانيين بقرون عديدة ،ويعود بالضبط إلى أواخر القرن السابع الميلادي ،عندما اندفعت القبائل التركمانية من موطنها في وسط آسيا غربا ..
ويشير فايز سارة في كتابه ،إلى أن المصادر التاريخية ترجع زمن هجرة التركمان إلى شرق المتوسط إلى أواخر القرن السابع الميلادي، حيث اندفعت القبائل التركمانية من موطنها في وسط آسيا غربا باتجاه شرق المتوسط ،وأخذت تستقر في العديد من المناطق ، بينما استقر قسم منها في إيران ،وقسم آخر في العراق ومناطق من بلاد الشام ،ليستقروا في المناطق ذات التماس بين الدولة العربية ـ الإسلامية والدولة البيزنطية وأماكن الثغور من شمال العراق وحتى شمال آسيا.
وقد اندمج التركمان في الحياة العامة للدولة العربية ـ الإسلامية بعد اعتناقهم الإسلام دينا لهم،وانخرط عدد كبير منهم في جيش الدولة ،وهو الأمر الذي مهد لهم فيما بعد ،وخاصة في العهد العباسي لأن يلعبوا دورا مهما في بعض المراحل السياسية .
كما تبوأت شخصيات منهم مناصب رفيعة في الدولة،وبرز منهم كثير في قائمة النخبة العليا في التاريخ والمجتمع العربي ـ الإسلامي لا حقا .
أن ابرز ما يميز التركمان حسب ما يورده مؤلف الكتاب ،هو علاقاتهم مع المجتمعات التي عاشوا فيها.
حيث أنهم احتفظوا بعلاقاتهم مع تلك المجتمعات بعد سقوط الدولة العثمانية ،وخروج الأتراك من البلاد العربية عقب الحرب العالمية الأولى (1914ـ 1918 ) حيث استمر وجودهم في مجتمعاتهم ،مؤكدين حقيقة الانتماء إلى الكيانات الوطنية التي ظهرت في المنطقة ،كما أنهم، أي التركمان،أصبحوا ينظرون إلى الدول التي يقيمون بها باعتبارها أوطانا لهم،وانهم مواطنون فيها .
ويؤكد الكتاب ،إن اكبر تجمعين للتركمان في بلدان المنطقة هما في العراق وإيران .
حيث يحدد نسبة التركمان من سكان إيران تصل إلى 5و1% ،الأمر الذي يعني أن عددهم هناك يبلغ 750 ألف نسمة ( العديد من المصادر تؤكد انهم يقاربون المليونين ويتمركزون في مدينة (كونبده كاوس) بصورة رئيسية ومدينتي (بندر توركمن) و(كالاله)) .
وبسبب عدم وجود إحصائيات رسمية ، يخمن المؤلف إلى أن التركمان في العرق يشكلون حوالي 7% من سكان العراق ،وبذلك يقدر عددهم بنحو مليون ونصف المليون من العراقيين ( بينما تقدر المصادر التركمانية عدد التركمان في العراق بأكثر من 5و2 مليون نسمة )،ونسبة التركمان من إجمالي سكان سوريا والأردن أقل مما سبق بكثير،إذ يقدر عدد التركمان في سوريا بـ 100 ألف نسمة ،وقد لا يتجاوز عددهم في الأردن الـ 25 ألف نسمة ،حسب أكثر التقديرات.
ويشير كتاب ( أقليات شرق المتوسط) أن التركمان يشكلون ثاني أقلية قومية في العراق.
إذ هم يأتون بعد الأكراد مباشرة ،وأنهم ينتشرون على خط قريب من الحدود السورية ـ العراقية ،ثم يمتد شرقا باتجاه الحدود العراقية ـ الإيرانية ،وعلى امتداد هذا الخط تقع المدن والقرى التي يسكنها التركمان،وتلك التي يشارك سكانها التركمان غيرهم من إخوانهم العراقيين .
ومن أهم تلك المدن والقرى : داقوق ،تازة ،طوزخورماتو وآمرلي ومناطق عديدة في محافطة ديالى مثل : خانقين،السعدية ،شهربان ،بدرة،وكذلك في الموصل وتلعفر وكركوك وأربيل ،والاخيرتين من أهم وأكبر مدن شمال العراق بعد الموصل .
كما يتواجد تركمان عراقيون في أنحاء أخرى من العراق،وان يكن بكثافة أقل ، في بغداد والبصرة ،والكوت والحلة وكثير من هؤلاء اندمجوا في محيطهم الذي يعيشون فيه ،والقليل ما زال محتفظا بشخصيته التركمانية،حسب رأي الكاتب.
التركمان في سوريا
وبالنسبة للتركمان في سوريا فيرى المؤلف ،إن مناطق توزع التركمان في سوريا، يمكن ملاحظتها في منطقة الفرات والجزيرة،حيث هناك أقلية تركمانية ،تشكل امتدادا للأقلية التركمانية في شمال العراق،وهي لا تختلف عنها كثيرا مع أنه من الصعب القول بوجود روابط وصلات بين التركمان عبر الحدود السورية ـ العراقية ،وهناك مجموعة تركمانية تنتشر في المنطقة الفاصلة بين الفرات ومدينة اعزاز شمال حلب ،ومعظم هؤلاء امتهنوا الرعي في فترات سابقة ،لكنهم استقروا واخذوا يمارسون الزراعة ،وكذلك هو حال التركمان الموجودين في مناطق منبج والباب القريبتين من حلب ،وفي مدينة حلب ذاتها مجموعة من التركمان تتعايش مع بقية سكان المدينة من العرب والاقليات الأخرى التي تسكن المدينة .
وتتواجد أعداد من التركمان في منطقة حوض نهر العاصي وبخاصة بالقرب من مصياف حيث » حوير التركمان » و » ناطر » فيما يتواجد التركمان في منطقة الساحل السوري في قسمه الشمالي بالقرب من لواء الإسكندرون في منطقة راس البسيط ومرتفعات الباير .
وهناك عدد محدود منهم في منطقة دمشق،تقيم إلى جانب الشركس في بلدة براق قرب دمشق .
وفي المدينة ذاتها تتوزع مجموعة من التركمان في المناطق التي يسكنها نازحو الجولان،وهي في الأصل من الجماعة التركمانية التي كان عددها ثلاثة آلاف نسمة ،وتتوزع على قرى الجولان قبل أن تحتله إسرائيل عام 1967 وتقوم بطرد معظم سكانه السوريين ،وكان هؤلاء التركمان يتوزعون على مجموعة قرى جولانية بينها :حفر ،وكفر نفاخ ،والسنديانة ،والغادرية ،والعليقة، ،وأغلبهم يمارسون الرعي ،ويعود زمن وصولهم إلى الجولان إلى ذات الزمن الذي جاء فيها الشركس ،أي الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
ولا تتوفر عموما إحصائيات رسمية بعدد التركمان في سوريا مثل باقي دول الشرق الأوسط ، إلا أن الكاتب يرى أن التقديرات لا تجعل أعدادهم تتجاوز مائة ألف شخص يتوزعون في تجمعات سكنية من طبيعة مدينية ،وأخرى تجمعات ريفية .
ويمتهن التركمان من سكان الريف الزراعة وتربية الحيوانات على نحو ما هي حال أقرانهم من أبناء الريف السوري ،فيما يغلب العمل الحر والاشتغال بالوظيفة العامة بالنسبة للتركمان المقيمين في المدن ،وبخاصة المقيمين في دمشق ،والذين فقدوا أراضيهم في مرتفعات الجولان بعد نزوحهم منها عام 1967 .
والتركمان يتبعون الدين الإسلامي ،وهو دين الأكثرية من سكان سوريا وغالبا فانهم متدينون ،وهم يتكلمون العربية ،وبعضهم يتكلم التركية القديمة وفيها الكثير من المفردات العربية، ،وهم أكثر ميلا للاندماج في الحياة العامة بحكم تقاربهم وتفاعلهم معها ،حيث لا يميز القانون السوري بين المواطنين من أصول تركمانية وغيرهم من السوريين ,وقد لعب التركمان من أبناء قرى الجولان دورا معروفا في المقاومة الشعبية التي ظهرت في الجولان أثناء حرب 1967 .
التركمان في فلسطين
ولعل أهم معلومة أوردها فايز سارة في كتابه (أقليات شرق المتوسط) تلك المتعلقة بالتركمان في فلسطين،والذين يطلق عليهم اسم ((عرب التركمان )) لأنهم جميعا ينتمون إلى قبيلة تحمل هذا الاسم.
ورغم اختلاف الروايات التاريخية حول أصولهم وقدومهم إلى فلسطين ،إلا أن جميعها تكاد تتفق على أن قدوم التركمان إلى فلسطين ، كان بسبب عقوبة فرضها السلطان العثماني بحقهم .
وثمة رواية أخرى ،تعيد زمن مجيئهم إلى فلسطين إلى أيام الحروب الصليبية ،حيث شارك التركمان في الدفاع عن بلاد الشام أثناء تلك الحروب ،وهم المعروفين بفروسيتهم ،وتبدو هذه الرواية اكثر قربا إلى الواقع ،حيث كان بين قادة جيوش صلاح الدين الأيوبي ،قائد تركماني بارز هو مظفرالدين كوجك(كوكبورو) أحد قادة صلاح الدين وزوج شقيقته، وهو أمير دولة الأتابكة في أربيل ، حيث شهد المعركة الكبرى في حطين ،وقد انضم إلى جيش صلاح الدين فيما بعد القائد التركماني يوسف زين الدين وهو أمير أتابكة الموصل في شمال العراق .
ويعتبر هذين القائدين من أسباب قدوم التركمان إلى فلسطين وكما هو طابع التركمان في كل مناطق تواجدهم، فانهم تمكنوا من الاندماج الكلي مع محيطهم العربي.
وبالإمكان القول أنهم صاروا عربا من أصول تركمانية .
وحسب المصادر التاريخية ،فان القبائل التركمانية في مرج لبن عامر ،كانت سبعا ،أولها قبيلة بني سعيدان ،والثانية قبيلة بني علقمة ،والثالثة قبيلة بني عزاء ،والرابعة قبيلة الضبايا ،والخامسة قبيلة الشقيرات ،والسادسة قبيلة الطوالحة ،وسابع القبائل النفنفية .
وقد انتظمت القبائل التركمانية في مجلس عشائر تم تشكيله في العام 1890 لكل واحد من شيوخ العشائر أن يكون عضوا فيه وفق شروط معينة .
وانخرط التركمان في فلسطين وجميعهم من المسلمين في الحياة الوطنية ،ولا سيما في موضوع مواجهة مشروع الاستعمار الاستيطاني ،كما أنهم شاركوا في المواجهة الفلسطينية مع الانتداب البريطاني ،وتعرضوا كما تعرض غيرهم من الفلسطينين إلى الطرد من بلادهم واللجوء إلى الشتات.
وتسجل أحداث ثورة فلسطين الكبرى 1936 ـ 1939 مشاركة التركمان بالثورة ،وقد كانت قرية « المنسي » إحدى مراكز الثورة في اللواء الشمالي من فلسطين ،وكان فيها مقر القيادة العسكرية ،وفيها مقر محكمة الثورة والتي كانت تنعقد في بيت الحاج حسن منصور.
وفي حرب 1948 اجتاحت القوات الصهيونية قرى التركمان في فلسطين، ودمرتها بعد قتال عنيف بين المهاجمين وأهالي القرى.
وقد سقطت » المنسي » بعد معارك حدثت ما بين 9 و13 نيسان / أبريل 1948 ،وتزامن سقوطها مع أغلب القرى المجاورة ،وتم تهجير أهاليها ،وقد اتجه بعض تركمان فلسطين ممن نزحوا عنها عام 1948 إلى منطقة الجولان في سوريا.
وكان بينهم عرب العوادين الذين تربطهم مع تركمان الجولان روابط قربى .
وهناك صاروا معروفين باسم » جماعة أبو نهار » .
وقد تعرض هؤلاء للتهجير من الجولان ثانية في العام 1967 على أيدي القوات الإسرائيلية التي احتلت الجولان في حرب حزيران /يونيو 1967 .
والخلاصة الذي يصل إليه الكاتب في موضوع التركمان بصورة عامة، انهم أميل إلى التأقلم والتعايش مع أبناء ا القوميات الأخرى في البلدان التي يعيشون فيها .
يمكن اعتبار كتاب فائز سارة ( الأقليات في شرق المتوسط) كتابا هاما ،لأنه يتطرق بصورة موضوعية وحيادية إلى موضوع بالغ الأهمية في الفترة الراهنة من زمن العولمة والنظام العالمي الجديد، ألا وهو موضوع التعددية القومية في شرق المتوسط.
عشيرة (عرب التركمان) في جنين ورد في موقع (المصدر السياسي) الفلسطيني، معلومات مهمة عن التركمان في فلسطين قد لا يعرفها الكثيرون ،حيث تبين أن ،مدينة الأحزان الفلسطينية (جنين) ومعظم سكان المخيم التي تعرضت الى أبشع مجزرة في القرن الحادي والعشرين ، هم من التركمان .
والمجموعة السكانية الكبيرة في المخيم هي عشيرة (عرب التركمان).
وهم عبارة عن بدو سابقين (من أصل – تركي) كانوا قد جاءوا إلى البلاد قبل مئات السنين وأخذوا يرعون ماشيتهم في منطقة وادي عارة والسفوح الجنوبية من جبل الكرمل.
مراكز سكناهم كانت تمتد سابقا بين يكنعام ومجيدو حتى برديس حنا في الجنوب، وكان مركزهم موجود في بلدة عين المنسي شرقي مشمار هعيمق.
حتى أواخر العهد العثماني كان التركمان يحافظون على لغتهم التركية.
ولكن خلال القرن الأخير انتقلوا لاستخدام اللغة العربية وانخرطوا كليا في المجتمع الفلسطيني.
عدد التركمان يصل اليوم إلى أكثر من عشرة آلاف نسمة، ووجودهم ملموس جدا في (مخيم جنين) للاجئين وفي كل المحافظة.
أغلبيتهم الساحقة تعتبر موالية لحركة فتح ولديهم ممثلين في المجلس التشريعي الفلسطيني وهما جمال الشاتي وفخري تركمان.