أم الشهيد
بقلم محمود خالد الحسامي
من الملاحظ أن اللقاءات التي يجريها » حماة الديار » مع أمهات وزوجات وأبناء وبنات الشهيد للاستطلاع والتعرف على معنوياتهم من خلال الحديث الذي يدور ضمن السؤال والجواب أنهم جميعاً متأهبين ليحتذوا حذو والدهم أو والدتهم أو إخوتهم الذين ذهبوا بأكملهم نتيجة البطولة والاستبسال في الدفاع عن الوطن الغالي، ولهذا ينشئون وهم على استعداد تام في القدرة التي تأتي من الصمود والمثابرة والجد والثقة بالنفس والتضحية، ولهذا فإن الصغير ينتظر ليكبر ويشتد ساعده ليصبح قادراً على القتال وفي الطريقة التي تؤهله ليكون منتصراً على عدوه، فما من طفل تسأله حماة الديار إلا ويجيب أنه في شوق ليصبح طياراً وجندياً مقاتلاً في المستقبل يحمل السلاح بيد والمعرفة والعلم باليد الأخرى.
فقد نما الطفل وهو يشب على حب التحليق في الجو كالنسر لينقض على اليد التي امتدت على أرضه وأهله من العدو، فالمبدأ ألا يخاف من الطائرة لأنه بالإمكان التحليق بها في أعالي الجو، والمبدأ أن يهبط منها بسلام إذا أراد أن يقف على الأرض، والمبدأ أن يعلو ويرى من الأعلى المسافات التي تقربه من المعتدي إذا حاول أن يقلل من شأن حقه ويستهين بكرامة صاحبه، فإذا قلنا أن الطفل في العاشرة من عمره يتسلى بصنع طائرة من الورق المقوى ثم بالانتقال منها إلى الدراسة التي أهلته ليقود الطائرة الحقيقية والارتفاع بها إلى للأعلى.
فعلى الجيل الجديد يعتمد مستقبل الأمة وبهذا المقدار من التطلع إلى المستقبل البعيد منذ الطفولة تكون الأمة في حصن حصين من الاعتداءات التي تنتاب الوطن من غزو واحتلال نتيجة للطمع الذي يحصل من جراء الضعف، ولقد يذهب الموت بأحد الشباب وهو يستعد لمعركة الحياة فتبقى الأسرة متكاتفة أو يزداد تعاضدها لأن الشاب مات شهيداً وأسرته ملأ قلبها الاطمئنان، إن فقدانه كان كرامة وحباً من الكريم الذي وهب ليستبدل بعطاءات أخرى حتى لا يترك الراحل صدعاً يفوق الالتئام والأسى. وبهذا الاطمئنان أن الشهيد كان مفخرة لوطنه بعد مفخرة الأهل به تسكن النفس من القلق الذي أصابها و هي بعدها في بداية الطريق للمستقبل المزهر. فكما المقاتل مات شهيداً و هو يدافع عن وطنه كذلك المجاهد في سبيل حياة أسرته مات شهيداً و هو يصارع الموج الذي ذهب به إلى بعيد عن الشاطئ و لم يرجعه إلا بعد أن أغرقه و فاضت روحه. فإلى جميع الشهداء،شهداء الوطن إن كان في القتال أو في الغرق لهم أجمل تحية
