Travail dilemme – العمل والجدل

Par défaut

العمل والجدل

بقلم محمود خالد الحسامي

القدرة في العمل استعداد موهوب ومكتسب يتدرج في الأهمية إلى أن يصل بصاحبه إلى جلائل الأعمال، وليس لك بعد ذلك أن تتعجب وتتولاك الدهشة لما يعمل ويتصرف بما هو قادر وما أنت به عاجز.

كان الوقت في الصباح الباكر، وكان عمله في المحافظة على صيانة الخط، وكانت السيارة الموضوعة تحت تصرفه هي التي أوجدت اللقاء العاجل، لأن المطر الغزير كان مساعدا لهذا التعرف الذي تم، ليكون الانتقال سهلا مع الوصول إلى العمل، والمقابلة التي لها مبررها لوجود الصلة بين ولي الطالب وأستاذه في كل ما يحيط الطفل من أوضاع أسرته وأهله.

كان يسوق السيارة وكان يرد على جميع الأسئلة بشكل لا تجعل منه سائقا طائشا ولا مستمعا مذهولا، لقد ودعنا الرجل إلى لقاء آخر يكون فيه الطقس ماطرا وضرورة السير في المطر الغزير يؤمنه المركب المتحرك الذي يتسع لستة أشخاص فقط إذا كان السائق فارغا وكانت السيارة فارغة.

عرفت واحدا من أطفاله وكان عليّ أن أعرف أباه من قبل لأني وجدت في هذا الطفل سراً لم أتبينه من رفاقه ولما تعرفت عليه صار هذا السر أمرا واضحا لا اعجب لوجوده بل أعجب لعدم وجوده إنه قوة الملاحظة التي أعطيت له وقد اقتبسها من بيئته وبقي الشيء المفقود عندها ضعيفاً في محاولاته فماذا أعد رب الأسرة وماذا لم يتمكن من إعداده ليزرع في أطفاله ما أعد لهم ويزرعون من أنفسهم ما لم يتمكن

هو بنفسه من زرعه.

لقد هيئ لهم كل ما يلزمهم من حاجات للأكل واللباس والسكن والإنفاق ليبقى هو منصرفاً إلى عمله يديره بكل إخلاص واقتدار وأما ما تبقى فقد أوكله إلى من تقوم مقامه في غيابه من إدارة البيت وحمل الأمانة، وعلى الطرف الثاني امرأة تحمل من المسؤولية والواجب فوق قدرتها قد هيأت كل أسباب التعاون بينها وبين زوجها فتساعده في توجيه الأولاد ومراقبة دروسهم والاهتمام بتقدم سيرهم العلمي بالإضافة إلى تنفيذ جميع ما يتطلب منها في نظافة البيت وحسن الترتيب والهندام ناهيك عن قدرتها في تسيير الأمور وضبط النظام.

كان اللقاء معها يضم مجموعة من الزملاء وعلى حضور من زوجها وابنها الأوسط في غرفة الاستقبال التي أعدت للزائر بزيارة ودية ليس يتخللها أي مساس للأدب وسوء التصرف. كان الحديث يدور حول العلم والتعلم واستعداد الطفل لهما في سن مبكرة إذا وجد من المعلم تيسيرا وتبسيطا لمادة الدرس فيعشق المادة التي يدرسها فيزيد من المطالعة والاهتمام وما هي إلا سنوات حتى يكون متفوقا وقادرا على الفهم والنجاح تطرق الحديث إلى موضوع آخر أحببت أن أدخل به دون استئذان لأنه من متممات النجاح والسعادة لتلك الأسرة الهادئة المنتظمة.

الشيء الذي يجعلك قوية على العمل هو الشيء الذي يجعلك تنفردين بالسيطرة والنفوذ على جو البيت، والشيء الذي يجعل زوجك قويا هو المنطلق الأساسي لقدرتك على هذه السيطرة والفوز بإشعاره أنه سعيد وأنك لست إلا خادمة لكل واحد من ضمن الأسرة مع أنك أنت السيدة وليست إرادة تقوى على إرادتك.

لقد كان الحديث بداية ضجة انتهت بفهم الزوجة لما أقول و سمعها لما أشرح والإذعان لما جاء من سيطرتها دليلا على قيامها بالواجب كزوجة مثالية وقيام زوجها بالطاعة لتأمين كامل حريته ونشاطه. وإني لأذكر مع مثالية هذه الزوجة ومثالية الزوج في المثل السابق ما سمعته من زملائي لإثبات ما هم بحاجة إلى هذا النوع من المثالية الموجودة والتي تعوز أكثرهم بينما هي معدومة عند زوجاتهم للدليل الآتي من حديثهم الذي لا يصح في أكثره ويصح في هذا الموضوع. كان الاعتراض شديدا لما ورد من ذكر بعض الكلمات وقد جاءت بسياق الحديث و في موضعها من الشرح وليس أن أردد مثل هذه الكلمات لأرد عليها بنوع من التعليق بل أكتفي بقول ما جاء به

الأمام الاوزاعي:

إذا أراد الله سوءاً بقوم

                أعطاهم الجدل ومنعهم العمل

16/1/1969

Morale balance – متى يكون للأخلاق ميزان

Par défaut

متى يكون للأخلاق ميزان

بقلم محمود خالد الحسامي

متى يكون للأخلاق ميزان نزن به ما أعوج منها وما أفرط عند بعض الناس حيث لا يوجد هناك قانون عام يعاقب عليه المعوج والمفرط سوى الرجوع

من نفسه لنفسه.

فإذا أردنا حصرها وضبطها وجدناها كثيرة لا تحصى بحيث تشمل أي تصرف من تصرفاتنا لذلك كان لا بد من إصلاحها من انتقاد المجتمع لبعضه البعض « من الأفراد وإليهم ومن المجموعة للأفراد ومن العرف والتقاليد إلى الغريب منها » وإعطاء النظرة الشذرة للمخالف مع استمرارها ببقية المخالفات واستدامة الانتباه والاستغراب لكل ما يمت بالفرد من تصرف غير لائق بالنسبة لنفسه وبالتالي بالنسبة لعلاقته بالآخرين.

وأهم هذه الصفات وأخطرها: هي الكذب فيما يدعيه الكاذب لإثبات صحة كذبة بالدليل والبرهان ولا إثبات له ولا دليل إلا ما هرب من القول وأظهر في وجهه من ملامح الغضب وارتفع صوته وأبان محاسنه مع تعداد لمساوئ غيره.

ويأتي في الدرجة الثانية الأنانية والاستئثار: فكل شيء حسن ارتضاه لنفسه حتى تستكمل منه حاجتها ويحتفظ بالباقي ليوزعه للمحبين من أخصائه دون النظر إلى أهمية واحتياج الآخرين للخير والعطف وقد يكون هو وأخصاؤه في غنى عنه وقد يكون الآخرون في ضرورة له أكثر منهم جميعاً ولكنه لا يعرف للعدل معنى ولا للمساواة والاشتراكية طعماً. ومن هنا ينبغي أن يكون العقاب من المجتمع للفرد وهذا العقاب لا يحيطه قانون وإنما يتدبره الخجل والانفراد في التصرف والضحك المتواصل إذا دل سوء التصرف والطبع عن قصد ويقين لا عن خطأ وهفوة.

اعتدت أن أمشي في طريقي إلى المدرسة فأجد أنواعاً كثيرة من المخالفات من مخالفة للسير إلى مخالفة في الوقوف إلى مخالفة في الركوب بالباص إلى مخالفة إلى مخالفة …… وقد أرى مجتمعي يهتز غضباً مني لمخالفتي على عدم ارتكاب المخالفة فينظرون إلي كأني لست منهم فأحتار إما في المضي وحيداً غريباً عنهم فأخالف مع المخالفين وليس ذلك بالنسبة لهم إلا شيئاً عادياً أو اتبع النظام والجميع أصبحوا ينظرون إلي نظرة استغراب وتأمل وفي هذه الحالة يعلم الفرد المجتمع وهنا يتوجب عليه حصول طاقات وإمكانيات خاصة ومقاومة صعبة أما في الحالة الأولى فالمجتمع يعلم الفرد وهنا كان الدخول في الموضوع يسيراً سهلاً.

Bonne intention – حسن النية والتفسير

Par défaut

حسن النية .. والتفسير

بقلم محمود خالد الحسامي

ما من مجلسٍ يجتمع بعض الوقت ليلهو في الأحاديث إلا وتكون النتيجة استمرار في حسن النية أو سوئها وحسن التفسير أو سوئه من بعضهم إلى البعض الآخر. كان الباعث لهذا الاجتماع هو فراغ الوقت وكان الباعث لهذه الأحاديث هو حب الكلام واستصواب الرأي أو استهجانه وكان الباعث لهذه التفسيرات ولهذه النوايا في الصحة والصواب وفي الجودة والطيبة هم الأشخاص بهويتهم لا الحديث بمغزاة فإذا ساءت الأشخاص بأعينهم ساء الحديث بمدلوله ومعناه وحمل اسم صاحبه من التفسير والمآل بما كان يحمله صاحبه من الدلالة والمعرفة.

سمحت لنفسي بالجلوس مع مجتمع يلهو بعض الوقت ولو كان هذا اللهو من حساب صحة أفراده ونشاطهم ومن حساب فضيلتهم ولباقتهم. كان هذا المجتمع نخبة من الشباب طوح بهم الفراغ فصاروا عبثاً ومجوناً يتجاذبهم الضحك إلى البكاء عليهم لا لشيء إلا لأن النتيجة كانت بتراشق الشتائم وقد تناولت الجميع حتى من كان بعيداً عنهم وفي غير مجلسهم.

الوقت وقت غروب والمكان حديقة النادي وقد شاهدت بعيني كيف بدأ المجلس بالاتزان والانتظام وكيف آل بعده إلى هذه التفرقة المشينة التي قضت بالمجلس وجماله إلى حالة تدعو للأسف والندم.

المجموعة من الشباب تنتحي جانباً من الحديقة وقد خيم الصمت على أكثرهم. كانت العيون تحدق في كل جانب من الجوانب المكان. بدأ الصراخ يرتفع من أحدهم منادياً للزائر القادم الذي رأى بعينه وأحب أن لا يراه أحد وسمع بأذنه الكلمات المدوية بحضوره وإحضاره إلى مكان الزمرة غير أنه أصمّ عن السماع. كان المجلس فارغاً من كل شيء حتى من الذكريات والآمال. كان فارغاً منها ليملأها بذاكرة مشحونة بالآلام والتأملات. إنه كان يجهلها قبل وقوعها وكان ناسياً لها بعد وقوعها وآسفا كانت داعية لها لبعث نشوة جديدة ولو على حساب الصحة والكرامة والفضيلة.

ما كادت العين تقع على الزائر متخذاً مكانه بعيداً عن المجلس حتى سارع أحد الأبطال بالوصول إليه والإتيان به على الرضا أو على السخط بعد مشادة طويلة تمكن بها البطل من الظفر بالإنسان الذي اسمه زميل أو بالأصح اسمه الثائر المتمرد على مجلس قومه وقد سمي إحضاره نصراً أو بالأصح فشلاً لصفاء المجلس من قبل وعكرته واعتكاره من بعد.

وفي هذه الأثناء كان قد حضر فنجان القهوة الذي طلبته في وقت كان السكون والهدوء مخيمان على هذه المجموعة من الرفاق. وخلال المدة التي استغرقت وصول القهوة وطلبها كانت المبارزة الكلامية على أشدها وكانت في موضوعات محصورة وأشدها حصراً الطلب لي بفنجان قهوة أو قدح شاي على حساب الزائر الجديد.

لم يكن أحد ليتذكر ما كنت قد طلبته من قبل لنفسي ولم يكن أحد ليعلم أني مسرور بأن أكون مضيفاً اكثر من أن أكون ضيفاً، غير أن ارتفاع الأصوات من الحاضرين خلال الكلام منعهم أن يفهموا ما كان الزائر يقصد من الرد وما كنت أقصد من حسم هذا الجدل الطويل فطلبت قدح شاي.

تمنيت أن يكون نهاية هذا المطاف في النزاع والضحك وأن يختم الجلسة بما بدأت به من الاتزان والتواضع لولا الغرض والهدف اللذان يرميان إليه بعث الضجة والقلقة في سبيل الضحك والإضحاك وأنا أقول في سبيل المهزلة والاستخفاف لإضاعة وقت قصير من السخرية تجعل الأبواق فيها مفتوحة بأعلاها لتري ما بداخلها حتى تصل إلى أعمق الأعماق.

تركت المجلس على حالة في موج عارم من الضحك تارة والترازل تارة أخرى وأنا بعيد أرى وأسمع وهي يشتد أوارها تارة ثم تخمد وتعود من بعدها إلى الاشتعال مرة أخرى لا لتخمد بل لتزيد في اللهب والهياج وفي وسط هذه المعركة الوهمية الخيالية المراد بها جلب السرور والتفرج على أنواع جديدة من المعارك نهضت من مكاني ألتفت إلى اليمين واليسار لأرى القوم في تمام انشغالهم ببعضهم البعض ولأقول لنفسي وأنا أهم في الخروج إنها محضر جلسة في البكاء لا في الضحك وإن السرور الذي توهمناه كان نتيجة في الفشل لعدم معرفتنا في فن الضحك. فظهر بمظهر البكاء والضحك الحقيقي والسرور الحقيقي يخرجان بعد عمل طويل نقوم به لينتج قوة تدعو بعدها إلى الراحة للاستعداد لعمل آخر مستمر مكمل لما بدأ به فاستحق بعدها الضحك وفي جو ظريف من الألفة والمحبة وفي جو تام من الثقة والطمأنينة وفي جو كلي من حسن النية والتفاهم سمعت واحداً من الحاضرين وقد عودنا بترتيلاته لا على نغم الإيقاع والانسجام بل على نغم النشاذ والمعارضة.

دعوت لرفيقك قدح شاي يشربه ولم تدع جميع الرفاق إلى ما خصصته له، إنه سر ويبقى السر في نفسك فرددت عليه قائلاً ليس في الأمر سر كما تدعي وإنما السر كل السر أن تفهم مثل هذا الفهم ففهمك لغز استعصى على الآذان مساغه وقبوله. إنها مشكلة الفهم وسوء التفسير. العفة تغلب الدناءة عليها، الحرية ووضعها في هذا النطاق الضيق، الكرامة على حساب مساواتك للناس ولو بقدح شاي تشربه بعد أن امتلأ بطنك بكاسات الشاي السابقة التي شربتها في الوقت الذي فيه لم يدخل زميلك في

بطنه واحداً منها.

الحقيقة المسألة ليست مسألة شاي أو غيرها إنما هي مسألة فراغ وانفلات في اللسان فليس الوقت متسعاً لامتلائه بجواهر الأمور فملأها بالقشور وليس اللسان مقيداً موزوناً ليحجم عن الكلام بما لا يليق ولا يصلح.

La vie grande lutte – في الحياة صراع كبير

Par défaut

في الحياة صراع كبير

بقلم محمود خالد الحسامي

في الحياة صراع كبير يتبارى في بطولتها أبناؤها ليفوزوا بأكبر قسط من المجد والسعادة قبل أن يدركهم الموت الذي لم ينهب كبيرهم وصغيرهم، وبينما هم في هذا الصراع يأتيهم الأمل الطويل والحرص الشديد في عدم التفريط بشبابهم والجد والعمل قبل الهرم والمرض لأن أحداً من الناس لا يفقد هواه وهو قادر على التمسك به إلا إذا عجز وأثقله المرض ورأى الفرجة في الخلاص من بلائه ليرتقي درجة إلى ما كان يطمح به من قبل أن تلم به مثل كارثة زعزعته وهدت أركانه.

فالرياضة وهي قبل أن تكون ميلاً حاجة ماسة للأعضاء كي تقوى وتشتد وإذا بصاحبها يرى في الجهد والعمل قدره على تحملها لا تتيح لمن لا يزاولها. وتمر الأيام ويبقى مزاول الرياضة على شأنه من الجبروت والعنفوان دون أن يدري ماذا يكون من أمر نفسه حيث أنه يشغل عملاً يكسب منه معيشته ليأتي هواه في الدرجة الثانية بعد انتهائه من واجبه في مهمته التي ألصقت به وهو سعيد بها ولو لم يتبين أمرها من النتائج التي آل إليه أمرها.

قوة الشباب وأمل الحياة تدفعه إلى التقدم والثبات في متابعة الصراع حتى ينتهي به إلى الاستقرار مع زوجه التي أعدت له، غير أنه رفض هذا المشروع المبكر لكي يعيل أسرته المكونة من والدته واخوته الصغار الثلاثة بالإضافة إلى أن أخاه في جامعة دمشق على نفقته الخاصة.

كان يرى في الزوجة الصالحة التقية ملء السعادة له وقد كان على وشك الخطبة لولا أن عاجله المرض وأودى به إلى الموت من بعد أن استنفذ منه كل ما يملك وحقق على ذمته ديناً ليوفيه إذا ما استمهله القدر وبقي حياً ونجا من شر المرض وكان له ما لم يرد وأراد له الموت ما استعذبه وانتقاه لترفع روحه إلى بارئها لقد كان وهو حي نظامياً وشجاعاً يعطي العمل حقه من الإتقان والجودة ويتبع سبيل النظام في إرضاء مراجعيه وتسديد رواتبهم.

كان قوة ونشاطاً وإسعافاً ولكنها جميعاً تلاشت وأصبحت وديعة في يد خالقها مرحومة لأنها لم تفرط بإثم والإثم يأتيها من ارتكاب المعاصي والمعاصي بينها وبينه جفوة لأن الله قدر له ذلك.

للمرحوم نقابة تضم نحواً من ألف شخص وهؤلاء فقط من أهل بلدته وأبناؤها زملاء له أحبوه وأحبهم لأن ابتسامته لا تفارق محياه وكأنه بهذه الابتسامة يقول:

لك صاف وده بعد الكدر

 

كل محمول على النعش أخ

أو تكن حرباً له فقد فات الضرر

 

إن تكن سلماً له لم ينتفع

ليس له بعد موته إلا هم أهله الذي حمله طويلاً وأراد أن لا ينزل عن محمله وهو باق في قوته وشبابه إلا بعد أن يكبر صغيرهم ويتخرج من جامعته شأنه شأن بقية أخوته من قبله وأحدهم لا يزال يتلقى دروسه في الجامعة ولا أدري إذا كانت هذه المصيبة قد عطلت أو قد تعطل مستقبله من بعد. إن زملاءه تنادوا لنجدة اخوته من بعده ليسهموا في دفع المعونة باقتطاع شيء يسير من راتبهم ليصبح هذا اليسير قوة بفضل المجموعة الكبيرة من هؤلاء الذين أحبوه حياً ولم ينسوه ميتاً.

بقي علي أن أذكر حقه على النقابة في يوم الأربعين فتذرف دمعات حارة على شبابه لتبكيه وتبكي اخوته وأصحابه في كلمات تخرج من القلب لتحل في القلب وتجيء هذه الكلمة من بعد إتمام وتسهيل حقوقه التي له من جراء خدمته التي لم يخرج منها إلا وهو مريض ليلاقي وجه ربه.

رحم الله الفقيد كان إنساناً موظفاً وكان إنسانياً في معاملاته لحفظ الحقوق والواجبات التي له وعليه إنه عبد المطلب.

Révolution révolutionnaire – ثورة وثائر

Par défaut

ثورة وثائر

بقلم محمود خالد الحسامي

ثورتي قديمة جديدة، عامة خاصة، قوية ضعيفة، غنية فقيرة، إنها تشمل عامة الناس وخاصتهم، تشمل العامل في معمله والصانع في متجره والطالب في مدرسته والموظف في دائرته والمزارع في مزرعته وهي تشمل أيضاً المعمل في صناعته والمتجر في بضاعته والمدرسة في نظامها والمكتب في قواعده والمزرعة في طريقة الاستفادة منها إنها تشمل عامة الناس لأن أحداً من الناس لا تستثنيه وهي تشمل خاصة الناس لأنها تضعهم في الدرجة الأولى من المسؤولية لأن على نمطهم يسيرون هؤلاء العامة فيقلدون أسيادهم ويتزينون بأزيائهم لأنهم المغلوبون ولأنهم المتفرقون ولأنهم المكبلون بقيود الجهل والفقر والمرض.

ثورتي قديمة لأنها قامت منذ أن عرفت عيني نور الحياة قامت منذ أن عرفت أذني أصوات الأحياء قامت منذ أن عرف عقلي غذاءه وجسمي حاجته وروحي رياضتها وذوقي إثارته وآدابه إنها قديمة لأن لها في التاريخ أصولاً وفي العلوم أشخاصاً آمنوا بحق الإنسان في الحياة وبحق الحياة في واجباتها ومسئوليتها أما جدتها فهو بمسايرة الزمن لها وبالنتائج المحققة لها إنها تعيش مع الشعوب الأكثر راحة واطمئناناً تعيش مع عزة الإنسان وكرامته تعيش مع سيادته في شخصه وحريته في فكره وقوته في تذليل العقبات أمام الحياة نفسها ناهيك أمام كل ظالم مستبد لا يعرف أي حرمة لأخيه الإنسان إلا بالخضوع له خضوعاً مطلقاً في الحق وفي الباطل.

حداثتها أنها تسري إلى كل الشعوب والأفراد. وتنتقل إلى كل بيت وأسرة وتدب إلى كل كائن حي يظهر آثارها في انتشار المعامل ووجود الأعمال وإبداع الفكر والإنتاج الحسن لكل ما تحتاجه حداثتها أنها تعتمد على الإيمان الحر الصحيح والفكر المشرق المنير والصمود أمام نوائب الأيام ونكبات الأحداث. حداثتها أنها غير محلية متمركزة بل بالإمكان تلاقيها في غير قطر أو دائرة من أقطار البلاد. حداثتها لأنها تشكل الأكثرية الساحقة من بني الإنسان ممن هم عمد في الصناعة وعمد في إقامة البطولات والأمجاد.

حداثتها في استمرار الأفضل من الناس للحياة وزوال الرديء وتراجعه إلى الوراء أو الحد من رداءته ليفسح المجال لهذا الناشئ الصالح . قلت إن ثورتي قوية لأنها ترتكز على مبادئ ولأنها ثورة فكرية وليست أحقاداً في القلوب لأنها تتناول الكبار والصغار معاً تمد العطف لهم بنفس الوقت الذي تقسو به عليهم فالكبير لا من عظمت مرتبته فقط وإنما من استطاع أن يحقق من النصر ما لا يحققه الصغير.

ثورتي قوية لأنها مرتكزة على مبادئ حق الإنسان على أخيه الإنسان إعطاء كل ذي حق حقه، إنعاش الضمير المعذب وإحياء الآمال المنشودة وإيقاظ رقدة الكسل في النفس لتستعيد الجد والنشاط. ثورتي قوية لأن بها نادت الشرائع السماوية والمبادئ الإنسانية والأمثال العربية الأصيلة.

أما ضعفها فلأنها تتطلب مقاومة وتتطلب إصراراً وثباتاً وتتطلب جهداً خاصاًِ فهي إلى إزعاج الجسد أقرب منها إلى إزعاج الروح وإزعاجها في ذلك الجسد وسيلة إلى راحته من بعد وإزعاجها لتلك الروح هي أيضاً وسيلة إلى إذكائه ونشاطه من بعد فليسا إلا وسيلة لهدف والهدف الحقيقي لهما هو أن لا راحة لحي مع وجود حي آخر أقوى.

فليتعادلان ولا سيما إذا كان يظلهما سماء واحدة قلت ثورتي غنية وغناها في فضلها عن المساعدة وفي إيمانها بالحق وعدم اعتمادها على المهادنة وأنصاف الحلول وغناها في اكتساب مواردها في مهارة العامل وإتقانه واستقامة الموظف وأمانته، وصدق التاجر وقناعته ونشاط القدرات الحية والموهوبة للفرد ودعاية غناها ليست بالأبواق والتطبيل وإنما بالحقائق الثابتة المدفوعة.

حمص 11/4/1967

Prends argent bonheur – خذ المال اللازم واعطني الدفء

Par défaut

خذ المال اللازم واعطني الدفء

بقلم محمود خالد الحسامي

مال إلى الغضب الذي أذهب بعقله عن الواجب والاحترام والمحبة. عرفته منذ أكثر من ست سنوات رجلاً نشيطاً وعاملاً قوياً وموظفاً بسيطاً. فكنت كلما كلفته بخدمة من مهمته وضمن عمله نزع إلى التعلل بطلب المال اللازم علاوة عن المكافأة الخاصة التي تلزمه في كل من قضاء هذه الحاجة. فلم أكن أتردد في السعي وراء الحصول على طلبه حتى يكون راضياً ومدفوعاً للعمل بكل قوة ونشاط.

إلى أين ذاهب يا أبا علي. ـ إلى حيث ما طلب مني فأجلبه ـ فيذهب أبو علي ويعود بعد ساعات طويلة أو قصيرة ثم ألقاه بعدها يمشي ولا يتوقف عن العمل ـ ثم أعود لأسأله مرة ثانية ألم يحن الوقت للعمل بما وعدتني به فتنجزه كما يحلو لك وكانت المهمة المكلف بها من قبل الآخرين هو الشراء والتركيب وكانت المهمة التي كلفته بها هو تركيب المدفأة بعد أن تم تركيب جميع المدافئ في كل الغرف ما عدا الصفوف.

إلى أين ذاهب يا أبا علي ـ إلى السوق لأشتري حاجة خاصة لأحدهم ـ أفلم تعدني في المرة الأولى والثانية والثالثة، أنك حالما تنتهي من أي طلب فإنك تعود لتأخذ دورك في مهمتي ـ فهز أبو علي رأسه وقال ما إن انتهيت من المهمة الأولى والثانية والثالثة حتى قلت إنها الأخيرة وسيأتي بعدها دورك (وهو تركيب المدفأة ).

وتشاغلت عنها وعنه إلا أن شدة البرد أوحت لي بالسؤال والقول فذهبت إلى صاحب الطلب وقلت لتدع الموظف يفي بوعده فالبرد يدفع إلى الإسراع بالعمل وليس طلبك في تأخيره بأقسى من البرد الذي لم تشعر به وأنت دافئ فكان جوابه تدفأ هنا فمضى إلى عمله و استمتعت بالحرارة قليلاً ليعود أبو علي ومعه البشرى بفراغه لأهنأ بالدفء حيث المدفأة ستكون جاهزة.

إلى أين يا أبا علي ـ إن البواري قديمة فالجديدة قد نفذت ـ وكم تساوي من الثمن ـ خمس عشرة ليرة فقط ـ ولقد حرصت أن تكون المدفأة في هذا العام أكثر نفعاً فإنه في العام الماضي حيث بقيت شكلاً فقط والقاعة الكبيرة التي تتركب فيها المدفأة هي في الطابق الأول محاطة بالفتحات من النوافذ والاستمرار في تركها يعبث بها الهواء البارد هو من الضيق والألم بحيث لا يمكن المكوث فيها أكثر من ساعة بدون أن يتأذى من البرد وبالفعل فقد جعل فيها العمل مكروهاً بحيث تراني أدور في مكاني ولا أعرف سبباً لهذا الدوران أني لم أجد المكان الدافئ. وانحلت مشكلة البواري وتركبت المدفأة ثم إن أبا علي أقام لهذا العمل شرطاً خاصاً قبلته وتعهدت بتنفيذه.

إلى أين ذاهب يا أبا علي ـ أين الشرط الذي لم يتحقق ـ وكان أبو علي قد اشترط على تصليح باب الغرفة بما كان يجب به أن يشترط. فلم يصلحه إلا بعد أخذ الوعد اللازم بتحقيقه. وأبو علي ينتظر تحقيقهما وهما سهلان وتأخيرهما لا يضر في البرد أو في إغلاق الباب محكماً وإنما يضر في مشتهيات معدته ولقد عودته على ذلك فكان كلما حرد من مهمة أعود لأسكت شهوة معدته بالتلذذ.

إلى أين ذاهب يا أبا علي فأبو علي لا يسمع كلاماً ولا طلباً وحضرت إلى القاعة الكبيرة فهي بالإضافة إلى البرد فإن الزجاج منثور في أركانها ويدخل الهواء البارد من الفتحة التي ترك الزجاج المكسور على جوانبها شيء من الألم يدل على هجرة المكان وعدم استعماله. لقد خرجت منها حالاً لأعود بالكتب الجديدة الواردة ـ الكتاب الذي كان بانتظاره أكثر من عشرين طالباً في مدرستي وأكثر من مائة في مدرسة أخرى وأكثر من ألف في صفوف الطلاب الآخرين.

ألو ـ أبو علي ـ وأبو علي يسمع وكأنه لا يسمع وأبو علي يحضر وفي حضوره فرحة الطلاب بحيث يعود العمل وتسهل المهمات. وبقيت أنتظر مجيئه ليحضر الكيس الذي يملؤه بالكتب ويحميها من المطر لقد بقيت في انتظاره وهو حرد وغاضب ومتأفف فهو يريد الشرط الذي تضاعف بالخدمة الثانية وسيتضاعف أيضاً بالخدمة الثالثة وهكذا.

إن أبا علي قد فقد صوابه بحيث أنه لم يبال ما معنى البرد والمطر وما معنى الواجب لقد فوجئت في مكان الانتظار لوصول أبو علي بطالب أضر به التأخير فيبحث عن الوجود في القاعة وفي كل مكان من أنحاء البناية وعبثاً يستهدي وتقوم الضحية لا ـ على أبا علي ـ ولا على المدفأة التي إن وجدت فإن المازوت الموجود لم يصل إليها بسبب حرد أبو علي فلم يحمل إليها التنكة وينتظر تحقيق الشرط. حقاً لقد تألمت كثيراً والحل الوحيد هو إرضاء أبو علي بما يطلب وأكثر من ذلك.

إن الانتظار على شهوات المعدة غير الانتظار على الواجب ومنه القضاء على البرد لقد رأيت في المشكلة حلاً بسيطاً هو مكافأة أبو علي مسبقاً عن كل تنكة مازوت يحضرها إلى القاعة. واعتبر هذه المكافأة بكل رضىً لإراحة نفسي من العناء الذي وقعت به فلم أستطع أن أرى أبا علي يغضب وفي رضاه الدفء إذا وجد المازوت والمدفأة وفي رضاه انتظام العمل. وفي اليوم الثاني همست بأذن أبو علي إني صادق فيما وعدت مسبقاً فخذ مكافأة عن خمس تنكات تحملها كفاك ممتلئة بالمازوت. ودع الحرد والغضب وخذ المال اللازم فإني لم أستطع أن أقارن الواجب بالمكافأة التي تطلبها فإن عملك هو الشعور بالواجب فوق الشعور بالمكافأة.

Jardin de la maison – حديقة داري

Par défaut

حديقة داري

بقلم محمود خالد الحسامي

ليست حديقة داري اليوم كما هي بالأمس، لقد تحول فيها كل شيء حتى ترابها، فبينما كانت بالأمس تعج بالنظرات المصوبات نحوها ترى فيها كل شيء ممتع إذ بها اليوم تتحول عنها كلياً لأنك ترى فيها كل سواد حزين.

لبست الحداد لأنها فقدت شجراتها التي كانت تزهو بها، فأصبحت مقفرة تعبث فيها ذرات الغبار، إن شجراتها التي كبرت وأثمرت وحان قطافها قد أصبحت عصياً تهز الجدران الثابتة المرتكزة لتجعلها تقلق من بعد اطمئنان.

كنت أجلس فيها أمتع النظر بجمالها لأنسى ما كان يزعجني من زحمة التفكير واضطراب النفس، كنت أجلس فيها دون أن أعلم أن مصيرها سيكون على هذا الحال وإن مقاعدها التي كانت من خشب السنديان القوي تتباهى بعظمته أصبحت اليوم من خشب الصفصاف الطري اللين.

كنت أستمع إلى تغريد بلابلها الجميلة فتأتيني نشوة الفرح والابتهاج وأغرق في جو المحبة والحنان فأصبحت اليوم أسمع فيها نفخات وبحات وصيحات توقظني من غفوة النوم اللذيذ الهادىء إلى يقظة أستطلع معها مصدر هذه الأصوات لأطمئن على سلامتي من شرها وإزعاجها.

ما الذي غير بك يا حديقة وجعلك قاسية لا تصلحين للجلوس ولا للرؤية ولا للصفاء وأصبح كل شيء فيك يدعو إلى الأسف والحزن. وما هي إلا لحظات حتى جاءني نعاس شديد أفاقتني منه دقات الساعة للقيام والنهوض إلى العمل، فخلعت على الفور كل ما يذهب نشاطي ويغطني في أعماق نفسي وتفكيري وارتديت ثياب العمل لأنسى هنيهات ما أنا فيه من استغراق تام لأستقبل مجموعة من زهرات اليوم لا تدري ماذا يصنع

لها المستقبل.

رجعت مساء إلى مقري في حديقة داري ورسمت مخططاً جديداً لها لأقلبها من فسحة سماوية إلى بناء جديد من مجموعة الأبطال يجدون طعم الحياة في مذاق النصر أو الموت. قلت عندها لنفسي: إن الحديقة الحقيقية الجميلة وأشجارها الخضراء المزهوة ومقاعدها الوثيرة الناعمة هي في الإنسان وقلبه الكبير وفي صموده للنائبات حتى يتحقق له ما يريد من نصر وسعادة وإرادة.

حمص 2/10/67

La vie – الحياة

Par défaut

الحياة

بقلم محمود خالد الحسامي

الحياة بين أن تسمع الأصوات وتستحسنها أو تستنكرها وبين أن ترى الأشخاص والمناظر فتستلهم وحيك أو تستدبر الحي فتشغل بعقلك وجسمك في تصريفها كما تحب أن تكون أو كما يحب وجودها أن تتصرف.

فقد يكون الإنسان مطرقاً يفتكر في حاجة إلى الراحة فيسمع صوت الواجب يخرج من نداءات الأطفال في ترديدهم للأغاني المطربة فيتحرك قلبه وتعود الراحة إلى العمل، وهنا سمع الأصوات فأستحسنها ملأت الجو بالهتاف يدعو المستريح

فقام ليعمل.

وقد يكون الإنسان منتظماً في عمله لا يحب أن يلهه عنه أي شاغل فيسمع في أذنه نغمات منكرة كأن تكون صرخة من ناعق وآهة من محزون فتستولي عليه الدهشة ولا يتمالك أن يحتمل نفسه مطمئناً بين قلق، وفرحاً بين كئيب وهنا استنكر ما سمعه فامتلأ الجو بالغضب فراح ليهدأ غضبه وضاعت الفرصة منه في اجتذاب العمل إليه فاستراح ليجدد هذه الجاذبية.

وقد يكون الإنسان في عمله متطلعاً إلى نجاح السير في تنظيمه فيفاجأ بأشخاص ليس لهم طبيعة مستحسنة من حيث السلوك والتصرف واللياقة قد وجدوا أمامه وليس لهم حاجة عنده وقد استقبلهم وليس له مهرب منهم فإذا ما بدلنا هؤلاء الأشخاص بالمتجانسين في الذوق والمحبة كانت الفرصة سعيدة للدقة في العمل على نحو ينسى به نفسه ووجوده إلا ما كان من تسييره وحسن إنتاجه، فهنا كان الإبداع منتظماً لم يعطل وانعكاس الملاءمة جاءت للتحديد من هذا الإبداع.

فمن كانت حياته تتطلب منه أن يعمل أكثر ما يقول وكان حبه للعمل أكثر منه للقول فإن فكره يأتي من وراء نظره أكثر منه من وراء سمعه وإن سمعه يأتي من وراء تهيئة الفرصة للبدء بعمل جديد بينما تكون متطلباته قد اكتملت ولذلك تراه منشغل الفكر عما يسمع ويقظ الإحساس عما يرى…

أما إذا كانت حياته قد أعدت للعمل وليس له شاغلاً غيره فإن القول عنده ليس له أي معنى إذا لم يكن دالاً على حقيقة وجوده فإذا كان العمل حسابياً في الأرقام فإن الذاكرة تتوقف عند حدود الألفاظ بحيث لا تتجاوزها إلى الشرح والتأويل ولا إلى المماثلة والتشبيه ولا إلى الماضي القريب أو البعيد ولا إلى حوادث الزمان والمكان.

ومن كانت حياته في المقابلات الكثيرة لمواضيع مختلفة فإن عقله يتطلب جهداً في المحاكمة والحكم على نفسه من خلال حاجة الأشخاص والحكم عليهم من خلال تفهمهم للقول ووجود المشكلة.

أما من كانت حياته محدودة في الأشخاص الذين لا يتجاوزون أصابع اليد عداً فهو على استمرار معهم وهم على استمرار في الاحتكاك معه فإن ضرباً من التقييد أو الانطلاق ومن المعرفة أو الجهل ومن الانشغال العقلي أو النفسي أو الجسمي يكون سائداً في جو العلاقات.

ومن كانت حياته في جو الآلة يضبطها ويعمل في خدمتها فإن الأصوات التي تدوي في أذنه من الخارج مهما كانت قوية فليس عنده مفهوم لها إلا ضمن كلمات الإصلاح أو الخطأ، العرقلة أو النجاح الإنتاج أو العطالة، الربح أو الخسارة.

ومن كانت حياته في التصوير لدى رؤية المناظر ولدى مشاهدته للجمالات فإن كان تصويره شعرياً فهو قد سما بالخيال، وإن كان تصويره رسماً فهو قد سما بملاحظة العالم الخارجي على نحو من الاعتناء بالشكل أكثر منه بالمعنى.

لذلك لا بد للمواهب أن تنمو على حساب بعضها الآخر ولا بد لها أن تضعف على حساب تقوية بعضها أيضاً ولا بد من إهمال بعض الجزئيات للإحاطة بالكليات ولا بد للكليات أن تشغل في جوهرها عن الجزئيات الأخرى، هنا نتج تقسيم العمل واختصاصه ومن هنا نتج وجود التعاون بين الأفراد لاستلام كل منهم مهمته في سبيل إعطاء شيء تام ومن هنا نتج عدم الاستفادة من عمل الإنسان الفائدة الكلية إذا لم يكن مؤهلاً والفائدة كل الفائدة من عمله إذا اجتمعت عنده كل المؤهلات.

20/10/69

Tes lunettes frère – نطارتك يا اخي

Par défaut

نظارتك يا أخي

بقلم محمود خالد الحسامي

نظارتك يا أخي تحمي عينيك من حرارة الشمس ولا تحمي وطنك من حرارة القذائف التي يصيبها العدو من سمائك، نظارتك يا أخي اشتريتها لتحمي عضواً هاماً في وجهك وهو ماء الحياة فهلا تشتري حباً في قلب بدون أن تدفع ثمناً ولكن بدون

أن ترخص به.

نظارتك يا أخي تريك العالم في موقعه من الانتشار على أرض الساحة الكبيرة ولكن لا تريك عيني التي ترمقك وأنت بها تطوح وقلبي الذي يشعر بك وبفرحتك ومقتك وأنت به لا تشعر ولا تدري. نظارتك يا أخي ترى البعيد البعيد ولكنها لا ترى القريب القريب لأنها ترقص مع رقصك في سيرك وتدور مع دورانك في الحديث تهتز مع ارتفاع صوتك في الضحك

قبعتك يا أخي تحمي رأسك من البرد كما تحميه من الحر فالبرد القارس حميته بارتدائك هذه القبعة، والحر الشديد تستتر به من وراء القبعة التي تضعها ولكن الأمر ليس طبيعياً فالبرد الذي جاءت به الموجة القارصة سرعان ما تجيء معه الموجة الحارة فإذا بك تحمل الاثنتين لتستعملها أحياناً دفعة واحدة فلا أنت في الشتاء

ولا في الصيف.

قبعتك يا أخي حمت رأسك من جو الطبيعة وما حمت رؤوس إخوانك وبني وطنك من غدر العدو الذي لا يعرف جسماً ناعماً تميل به الريح حيث مال ولكنه يعرف تقشفاً وصلابة وصموداً وتضحية وبسالة وتركيزاً ومقاومة. بقبعتك ونظارتك تطل من النافذة على الساحة العامة لترى وجوه إخوانك وزملائك ولتسمع كلماتهم وأصوات حناجرهم فأنت في العلو العالي جالس تستوحي ويدك على خدك فكأنك تقول ضاقت الأرض بما رحبت فلم يتسع لي المقام في أرض وطني فهل أقدر أن أجمع خطين لأمنح قلبين في حب واحد حب نفسي وحب وطني.

بقبعتك ونظارتك استوحيت كتابة هذا المقال لأشير إلى التقشف في اللباس حتى لا يأتي الظرف الذي نجد فيه من الصعب استبداله بلباس خشن يناسب الحرب أو الاستعداد له، أما التقشف في الحياة والمعيشة فهذا شيء لا يحتاج إلى استعداد لأننا نقوم به من ذات أنفسنا على الرضا أو الغضب لأن تكاليف المعيشة للفرد الواحد لم تعد تضاهي نفقاته التي تضاءلت حتى أصبحت إلى الضروري الضروري منها.

بقبعتك ونظارتك يا أخي استوحيت كتاباتي حيث أني في هذين اليومين رأيتك مرتين وكنت قبلاً لا أراك مرة في كل شهر، إني من عملي من هنا إلى هناك، وأنت من عملك من هنا إلى هناك، فلقد شكرت المناسبات لأنها أوحت لي كتابة موضوع واحد على فترتين في مناسبتين ولو كانتا مختلفتين إلا أنهما متشابهة.

فالمناسبة الأولى جمعت العناصر الفعالة من قوى الشباب ليكونوا على وعي تام من قبل الشباب   ليكونوا على وعي تام بوجوب الصمود والمقاومة والصبر للكفاح حتى يتحقق لنا النصر ضد العدو الغادر لأن المعركة طويلة ولأن الخصم وراءه الخصم القوي الذي يدعمه ويحافظ على كيانه كلما لاح له أننا نريد سحقه والقضاء عليه والمناسبة الثانية المسيرة الشعبية التي تناولت جميع الفئات المثقفة يستذكرون هذا اليوم المشؤوم الذي فيه وضع قرار التقسيم ووضع فيه صفحة طويلة للنضال العربي المستديم. بقبعتك ونظارتك وحركاتك   يا أخي عرفتك غير أني من نحول جسمك وصحتك بدأت أسبح الله العلي العظيم في قضائه وحكمه وقلت:

إذا القلوب استرسلت في لذة                  كانت جنايتها على الأجسام

Perte d’argent – خسارة في المال

Par défaut

خسارة في المال

بقلم محمود خالد الحسامي

خسارة في المال وربح في العذاب لا يعادل ألف مره تعرفك إلى الشخص الذي علق لوحة كبيرة على عيادته ليعلنها للمراجعين إنه طبيب أسنان وحائز على ترخيص من وزارة الصحة.

كنت واحداً من المراجعين الذين أحبوا التعرف إلى شخصه قبل أن يكون مطيباً لألم الضرس. فقد جئته ليعالج أحد الموجوعين في غفلة من الوقت لم يكن الحظ مسعفاً لي بالمقابلة واكتفيت بالإهتداء إلى مكانه والمثابرة في المداواة ليقوم مقامي دون حاجة إلى التوقف والانقطاع عن المعالجة حتى يسعفني الوقت لألقاه وجهاً لوجه وبمناسبة جميلة.

دأبت على الوفاء فما ترددت على مكان إلا وبقيت أحفظ عهده وولاءه وإذا لم تكن الزيارة له من مسوغ فإني أتحين الفرصة لتكون مناسبة طيبة في تجديد الولاء فأرى نفسي وقد تقيدت بالذكرى فكأنها أصبحت ملتزمة وليس التزامها إلا بشعوري بالواجب

وحفظ المودة.

شاءت الصدفة أن أكون مع أول القادمين لمراجعته مع أحد المتألمين بسبب العذاب الشديد الذي أمرضه وأنسى وجوده. كان الإسراع إلى مقابلة في الوقت الذي تكون فيه الفسحة إلى مقابلة طبيب آخر هو الذي أحدث المشكلة وجعلها من حيث المعنى لا المبنى هو موضوع الحديث الذي اكتب بصدده إننا كثيراً ما نهمل زاوية لنعتني بأخرى، إن عنايتها ينبغي ألا تكون. إن جمهور الشعب ليلقى أفراحه من الذين أنقذوه من المرض الذي يشكونه وقد حز في نفوسهم تألمهم من وباله واستفحاله. إن أفراحه لتنقلب إلى أحزان عندما وضع ثقته بالأشخاص وقد خيبوا أمله ولم يحققوا رجاءه.

إن الأطباء وهم موضع ثقة بمرضاهم ـ عليهم أن يحفظوا هذه الثقة فلا تقسو قلوبهم في الوقت الذي ينبغي أن تحنو وترق. إن احتقار المرض من قبل الطبيب لكي لا يوهن عزيمة المريض أمر مستحسن وجميل ، غير أن احتقاره لدافع منه في توفير الكلفة أمر مستهجن وقبيح. إن على الطبيب إذا أبى أن يكون إنسانياً أن يعرف المريض بما ينبغي أن يقصر مداواته لمساواة الفائدة في الدواء والتوفير. أما أن تقتصر المداواة لوجود الاختلاف في الاستعمال والمساواة في الكلفة فهذا يدعو إلى الاستغراب والضعف في الثقة.

تركت نفسي إلى ما استحسنه الطبيب أن يفعل وإذا بهما بعد مغادرته أحبت ترك المتألم يشرح ويعصف ليسمع وينظر الطبيب ثم بعدها يقارن أهمية الصواب فيما وجده لكي لا يمتنع عن إعطاء الدواء ولكي لا يأخذ نفس الحساب الذي يأخذه فيما لو كانت معالجة ناقصة وغير موفورة.

Dureté souplesse – القسوة والحنان

Par défaut

القسوة والحنان

بقلم محمود خالد الحسامي

بين القسوة والحنان من الارتباط والصلة ما بينهما من الاختلاف والبعد فإنك إذا قسوت تكون أخذت للأمر عدته من الحزم والشدة بحيث وضعته في موضع النظام والضبط فلا تلين في مراعاته ولا تتهاون في دقته وعندئذ تشعر بالسهولة العظمى في حل المعضلات سواء منها الفكرية والاجتماعية والنفسية وبذلك تكون أشفقت على نفسك من الجهل وعلى حياتك من الخزي والذل وعلى أطفالك وأهلك من التشرد والفاقة. أما الجهل فآفة كبرى لا يمكن القضاء عليها إلا من بعد تركك لأهواء نفسك وطرحك اللذائذ والمتع بالإضافة إلى انكبابك على القراءة والتعلم حتى تنمي فيك قدرة الصبر والفهم لتصبر على ما يحبس نفسك ويقيدها من اللهو واللعب حتى تصير بفهمك وحفظك لمادة الدرس أقدر منه لتشتيت فكرك ونفسك عما يجول بها من الهواجس والمشاغل.

فإذا كنت أبا لأطفال كانت القسوة داعية إلى الحنان لهم لأنك إذا لم تحزم الأمر في تعليمهم وتوجيههم الوجهة الصحيحة لكان انصرافك عن هذه القسوة سبيلاً إلى تركهم للجهل يتيهون وبذلك تضيع عليك فرصة تربيتهم التربية الصحيحة ولذا ترى مستقبلهم دائماً مهددا ًبالراحة والاطمئنان معك ومعهم. فالقسوة في العقاب تكون دائماً من جنس العمل فإذا لم تحسن التصرف كان ذلك داعياً إلى قسوة أكبر لأنك نشدت العطف والتسامح في الوقت الذي فسدت فيه تلك المعاملة فأنت تبعد عن الحنان لتقترب إلى القسوة التي هي في غير موضعها فليست مسماة كما تسميها ولكنها تأخذ اسم الجهل لتتصف بالتأديب والتقويم.

الأب الذي يشفق على ابنه من البرد خوفاً من أن يؤذيه ويضر به يختلف كل الاختلاف عن الأب الذي يشفق على ابنه من عدم مقاومته للبرد فيقوي جسمه حتى يصبح منيعاً تجاه إحساسه بألمه وارتعاده. فالقساوة التي يؤديها المربي في سبيل اعتياد طفله على خشونة الحياة تعادل الحنان عليهم في مثل يوم يتعرض فيه الطفل إلى مثل الشعور بهذا البرد ولكن بغير مقاومة واحتمال والأب الذي يقسو على طفله لتعويده على التخلق بالأخلاق الحسنة فيحارب فيه الكسل والكذب والخوف والكبرياء كانت هذه القسوة حناناً حيث أن الحياة والمجد والكرامة ليست لكسول ولا كذاب وخائف ومتكبر ومثل هذه القساوة في فائدتها مثل الحنان الذي في قلبه على مصير طفله من الوقوع بآفات عظيمة لا ينفع معها بعد ضياع الوقت نوع الشدة والقساوة التي لم يستعملها من قبل بل تحتاج إلى قساوة من نوع جديد ليست في مصلحته ولا مصلحة طفله.

ذكرني بهذا الموضوع ما وجب عليّ قساوته وأنا في حنوٍ له وما وجب علي حنوه وأنا في قساوة له. رحت أفتش عن الأسباب البعيدة والقريبة له فوجدت في كراهيتي الكبرى للكذب وليس الصدق بقريب مني وفي محبتي العظمى للطاعة وليس العصيان ببعيد مني وفي اعتدالي الكبير بين حب الطموح والقناعة وليس المفرط فيهما على جدارة لهما لأن حب الطموح يتطلب علواً في الهمة والعزم والانصراف عنه يتطلب رضى كل الرضى بما هو صائر وموجود. ذكرني بهذا الموضوع ذلك العملاق الذي له ضربة فولاذية من عصب قوي قد قسا عليه مربيه كل القسوة فلم يضعها في موضعها وإذا به أمام هذا الجبروت من القوة والحزم يضعف ويلين أمام نظرة رقيقة من مخادع أو كلمة ناعمة ملساء من مخادع وكاذب فيفتتن بهذه النظرة وهذه الكلمة وتتحول إرادته من جبروت في القساوة إلى خضوع تام في الحنان.

ما أحوجنا إلى تربية عواطفنا إلى الابتعاد عن الميل بها إلى مثل هذه الهوة العميقة شدة وصلابة يذهب بهما الغضب كل مذهب، وحنان وتراجع يذهب بهما الرضا كل مذهب إن مثل هذا الإنسان لا يكون شجاعاً ولكنه متحمس للشجاعة ولا محباً للرقة ولكنه يتغنى بها. أما الشجاع الحقيقي والماجد الحقيقي فإنه يصمد للنائبات سواء في أيام السلم أو الحرب فنظرة رقيقة خادعة هي امتحان لك فإما أن تحارب

وإما أن تسلم.

Mon amour – حبيبتي

Par défaut

حبيبتي

بقلم محمود خالد الحسامي

عشرون عاماً قضيتها في البكاء على حبيبتي التي نسيتني وما نسيتها قط. بكيتها بعيني وتألمت عليها بقلبي ووعيت تاريخها بذاكرتي وأحسست مصابها بكل جوارحي. حبيبتي اليوم ملء الدنيا حديثاً وشاغل العالم عقلاً وبحثاً نوقشت قضيتها على انفراد وفي صعيد جماعي في الأوساط المحلية والعالمية وفي الهيئات الدولية والرسمية. والإيمان الذي ثبتته في القلوب انتقل من بعده إلى ثورة فجرت بركاناً اشتعل ولم ينطفأ أوقد حرباً ولم ينتهي بسلام.

حبيبتي ليست إنساناً بل هي وطن وليست أمنية بل هي حقيقة واقعية، فالإنسان الذي كان بالأمس القريب ساكناً فيها نزح وتشرد والإنسان الذي أضحى فيها عائشاً بغى وتجبر، فإذا بها قد تدنست من بعد طهر وجرى عليها الحرب من بعد وقوع السلام والمحبة والطمأنينة فالعودة إليها صراع أعددنا له عدته وسخرنا له جميع الإمكانيات وأقمنا حياة التقشف والاقتصاد لأجل حمايتنا من ذلك الجار المغتصب الطامع العدو الذي لا يؤتمن .

حبيبتي اليوم جعلت من كل الشعوب شعباً واحداً لنصرتها فاتحدت حتى شمل الاتحاد كل الأقطار المحبة للحق والعدل وبدأت سيرها في كيفية الوصول إلى هذا الاتحاد المطبق ليخرج قوة مؤثرة وليست متأثرة فقدحت بالهمم لتحفزها وتعصرها وتجعلها تستفيد من جميع ثرواتها فلا تتركها لأعدائها يرتعون بها وهم في ضيق ويغتنون بها وهم في حاجة إلى هذا المال ويقوون بها ليستعدوا ويبطشوا بالأمنين الذين يملكون الحق ولا يقدرون التصرف به ويملكون الحرية وهم في نزاع دائم مع أعدائها.

حبيبتي اليوم تعود حزينة مرة أخرى إنها تطاولت لتضرب لا لتقع في الضرب ولتشفى لا لتقع مرة أخرى في الجراح لتحيى ويحيا معها أهلها عاشت حبيبتي في ظل القوة والوحدة والحق وإلى اللقاء معها في أرض الوطن .

Présidence politique – الرئاسة والسياسه

Par défaut

الرئاسة والسياسة

بقلم محمود خالد الحسامي

أن تتصدر المجلس فيما يُبت به من قرارات وتوصيات وبيانات وأن تكون لك الكلمة الأولى والأخيرة في إعطاء النتيجة، شيء يفرضه عليك قدرتك على التصرف به بجودة بحيث لا ينازعك في مجال التفوق من الحكمة واللباقة والعلم والتجربة والسياسة ما أنت به عليه بين الأفراد والأعضاء المجتمعين لهذه الغاية والمتفرقين للسير في الطريقة التي تدارسوا من أجلها وأعطيت لهم حق الحرية في إبداء الرأي والكلام حين كان المجلس منعقداً وجدول الأعمال معروضاًً للمناقشة.

أن تكون عضواً مستمعاً وعضواً مقرراً وعضواً منفذاً، شيء يفرضه عليك اختصاصك في إبداء الرأي والنصيحة وأنت ما أنت عليه من تحفظ وتقدير للموقف الذي يتطلبه حضورك، فانتزاعك إعجاب الحاضرين وثقتهم بك يدفعك إلى المضي في عملك والانتفاع منه في حل جميع المتطلبات بالتضافر مع إخوانك فيبقى عملك محصوراً ومهمتك سامية ما دمت تنتقل من حدود الإمكانيات والواقع ومادام إخوانك يسيرون معك في الطريق الذي بدأته لتصل ويصلون معك إلى شاطئ السلام.

أن تبدأ في العمل من زاوية بيتك وفي جوانب نفسك إلى أن تنتهي لزاوية العالم الخارجي متسع كبير يظهر فيه مدى حبك للتعاون وسيطرتك على أهواء نفسك وإتاحتك الفرصة للانضمام في مجال العمل الشعبي فإما أن تكون كفئاً وراجحاً فتتهافت القلوب إليك وتنصبك قائداً وموجهاً وإما أن تكون فقط منخرطاً في الصف مع رفاقك لا يظهر منك أي سداد في الرأي أو حكمة ولكنك منقادٌ طيعٌ للأوامر وبذلك صلحت عضويتك وفسدت رئاستك.

حبك للرئاسة يجعلك تتهافت عليها دون أن تبالي وتقدر إمكانياتك، وحبك لأعمالك وتقديرك لنتائجها ونشاطك الدائب في الاستفادة من كل الملاحظات الواردة في جدول أعمالك، يجعل الرئاسة تتهافت عليك ولو أعرضت عنها وأبديت عدم الرغبة فيها على أن الأمر والطلب سوف يلحان عليك في احتمال مسئوليتها وعندما تجد مكانها فارغاً لا يملؤه إلا تربعك على عرشها، خضت المعركة وأقدمت على الأمر الجليل وأنت تقول (أعوذ بالله من الرئاسة والسياسة ومن اسم رئيس وسائس ومن أفعال رأس وساس ويسوس فهو سائس وسواس).

الرئاسة تنتقل بك من أسرتك في البيت إلى أسرتك في المدرسة إلى أسرتك في المعمل حتى تصل إلى العمل الشعبي الذي ينبغي لمسك زمامه غاية التضحية والمقدرة ومنتهى الشجاعة والإخلاص وذروة الحكمة والخبرة والكفاءة.

الرئاسة عمل شاق ولكنه ضروري لتنظيم الأسرة في البيت والتلاميذ في المدرسة والعمال في المعمل والشعب في مجال العمل الشعبي، وقد تظهر صعوبة الموقف إذا أعطيت لرئاسة الشعب وهو في بدء تنظيمه وفي نهاية استعداده حيث أنه يخضع خضوعاً تاماً لمنقذه من الفوضى والارتباك أو يتمرد تمرداً كبيراً للعودة به إلى بدء التنظيم بعد أن مر بكافة المراحل المنظمة.

حمص في 30/6/1968

Tromperie – ظاهرة الأنخداع

Par défaut

ظاهرة الانخداع

بقلم محمود خالد الحسامي

ويجدر بي أن أعود إلى النطق بعد الصمت. فلقد منعني من التعبير عما في نفسي سوء صحتي التي إن بدت للناظر لم يحسبها في شيء تمنع عن الكتابة. والموضوع الذي أعالجه هو رعاية الفن الممثل بعشاقه، ولست أخص بالفن نوعاً معيناً كالموسيقى أو الأدب أو التاريخ وإنما جميعها التي إن عمل أحداً في واحدة منها حق العمل والإتقان فإنه يبدع وتسمو روحه ويخرج من العالم المادي إلى العالم المعنوي.

لقد أتيح لي أن اتصل بمقابلة بعض الفنانين ، وما أكثرهم مع قلتهم فمن خلال ممارستي لبعض الهوايات يمكنني أن أشاركهم في أحاسيسهم وخيالاتهم فأخرج من دائرتي الواقعية التي تلزمني بكل ما يتصل بالحياة من مادة وجوهر. لقد هام الفنان بجو الطبيعة الساحر وبجمالها الرائع فجعل من خضرتها وأزهارها ونسيمها وحركتها مثالاً حياً للألوان التي تعترضنا في كل صنف من صنوف، حياتنا فالخضرة التي تكسو الأرض في فصل الربيع هو الشباب والقوة والحياة والرخاء والأمل والتجدد والنشاط وما يصحب كل ذلك من عشق وجمال. وللزهرة في تناسقها ورقة وعذوبة تشكلها ونفح رائحتها دليل على اشتياق النفس لكل ما هو حق وجميل في لونه ودقيق في صنعه وساحر في إبداعه، وكما هو الحال في البطل الذي تعجبك بطولته وتخشى إذا ما اقتربت منه لتصارعه أن يغالبك فتغلب أما إذا أردت الظفر فإنه ينبغي عليك أن تحيطه بهالة من العناية والاهتمام ليعطيك من عنده الشيء الكثير. ومثل الزهرة في رقتها مثل البطل في سماحته وإشراقة نفسه فهو يبتسم للصعوبات كما تبتسم الزهرة لك فتشوقك إلى قطفها أما إذا تم الأمر وانتزعتها من غصنها فإنك تفعل ما فعلت بالبطل حينما تقهره بالتحدي فليس من سبيل إلا أن يريك قدرته وظفره.

لقد أتيح لي أن أتصل بهواة الموسيقى وأدخل إلى مشاعرهم وعلى الرغم من قلة العدد وقصر المدة فإن ممارستي لهذه الهواية جعلني افتح سريرة أنفسهم فهي مغلقة مستعصية لأنها محاطة بهالة من الكتمان والذي جعلني كذلك هو اتصال روحي بروحهم يوم أردت أن لا يكون منها حاجز، وانفصال هذه الروح حينا واتصالها حيناً آخر جعلني لا أقصر على هذه الهواية بل أتعداها إلى غيرها من الهوايات بحيث يكون لي إحساس الشاعر والفنان وأنا أجهله ولا أعرفه إلا من نظراته وكلماته إذا ما أنشد. وكما أتيح لي أن ادخل مضمار الفن والأدب فقد مُهدتْ السبيل أمامي لأعالج قضايا المجتمع على ضوء ما أرى وأسمع حينا وأشترك اشتراكاً فعلياً حيناً آخر. ففي المجتمع من تكمن مواهبه الفنية لتظهر في إطار نسيج عمله وذوقه فتراه يئن تحت ضربات المطرقة ووخز الإبرة ورنين الآلة وصوت المحرك كما لو كان جميعاً يعمل في غير ما وضع له من الفائدة والخير ، فتكون أحياناً اصطداماً مريعاً أو طعنة غادرة أو قلق مستمر يبعثه الشعور بالواجب والإحساس بالواقع.

لقد انتهى بي الأمر أن أكون شاهداً لعرض غنائي فيه شعر وموسيقى ، أما الشعر فجماله في كلماته وأنغامه على اللحن الموسيقي: لقد تمنيت أن يطول وقت الاستماع اكثر من ذلك الوقت غير أني ضجرت لما كان يحيط بي من أحاديث وحركات غير متزنة يبعثها الجمهور المستمع وإن أسفت فإني آسف أن يكون المشرف على هذه الحفلة قد أخطأ في معرفة الجمهور ومعرفتي خاصة فجعلني أتحول من نظري وسمعي إلى نظر وسمع من يحيط بي، وعلى الرغم من ذلك فقد كنت محلقاً في عالم الموسيقى والغناء ولم أرد على خطئه إلا بنظرة واحدة أعقبها طول تأمل عميق يعود تاريخه إلى ما كان بيني وبينه من معرفة فاكتفيت منها باكتشاف مواهبه أما هو فلم يكتشف بي شيئاً واستمر على عدم المبالاة.

Deux excès – الأفراط والتفريط

Par défaut

الإفراط والتفريط

        بقلم محمود خالد الحسامي

بين مقالتين من الاختلاف في وجهة النظر ما بيني وبينك من الاتفاق على وحدة الموضوع وتحقيق الهدف. فالمقالة الأولى غرد صاحبها ليطرب غير أنه أبكى ليحزن أراد الغناء فجاء نغماً مفجعاً، أراد العلم فجاء جهلاً فاضحاً، أراد الكتابة فجاءت سطوراً يسطر عليها ومن فوقها ومن تحتها. هي كتابة في موضوع ولكنها مادة لموضوع.

والمقالة الثانية هي إشراقة نور في قلب مؤمن هي نور لأنه استضاء بها السائرون في طريق الظلام وهي إشراقة لأن شيئاً منها كان موجوداً ولكنه كان مختفياً.

ذكرتني المقالة الأولى بالتفريط في القيم والمفاهيم والأحكام فمنها ما يمكن السير في طريق إصلاحه ومنها ما ينبغي علينا أن نستصلح نفوسنا لنسير في طريقها لأنها كل ونحن جزء والكل أكبر من الجزء. ذكرتني المقالة الأولى في الإفراط الذي نتج عن التفريط فما ارتفع إنسان إلا وهبط فينبغي علينا ان نعتدل في حبنا وكرهنا مخافة أن يطوحا بنا إلى ما لا نرضاه ونرتضيه في هذا الحب وهذه الكراهية. بين مقالتين حسبي أن أسير إلى الأمام في الثانية وأن أرتمي بالهوة في الأولى لم يكن الهدف ذلك وإنما جاء عن الإفراط الذي نتج عن التفريط.

المقالة الأولى في موضوع رأيي وقضيتي المقالة الثانية في موضوع: ليس برأي وليست بقضية بل هما تحد لإيماني وإيمانك فالاختلاف واضح بين الرأي والعقيدة وكذلك الاتفاق واضح بين دعوتي ودعوتك   إلى قوة الايمان لنفوز بنصر أكبر وعزة أشمل إن شاء الله.

حمص 8/5/1967

Silence – دعوة الى الصمت

Par défaut

الدعوة إلى الصمت

إذا ذكر الحق فاصمت ولا تتكلم فإنك إذا تكلمت أخرجت للحق وجهاً آخر، هذا الوجه هو وجه صاحبه وإذا صمت أخرجت للباطل وجهه المزيف فتعلم كيف تصمت بعد أن تتعلم كيف تتكلم.

فالكلام في الدفاع عن الحق واجب لكن الصمت في الدفاع عن الباطل أوجب ومن واجب الحق أن لا يقتصر على الكلام ليقوم بعمله، لكن هذا الواجب يؤدي عمله في التمويه والتضليل لعجز صاحبه عن العمل وقدرته على النظر. فالشجاعة حق والدفاع عن الجبن واجب فإذا كنت شجاعاً صمت وإذا كنت جباناً تكلمت لتبرز الشجاعة في كلامك فإذا كنت شجاعاً حقاً فإنك تعمل وإذا كنت جباناً حقاً فإنك تتكلم ليقوم الكلام مقام العمل، فالصدق شجاعة واتصافك بهذه الشجاعة يمنعك من الكذب فإنك تتولى الدفاع عن التهم الموجهة إليك إن كنت صادقاً أو كاذباً فالدفاع يطول لإبراز وجهك الصادق لكن في صمتك دليلاً آخر على جدوى الكلام إذا كان الإيمان بالحق عاماً وهذا الحق هو الصدق.

إذا ذكرت الأمانة فاصمت لأنها ليست كلاماً لتجعل صاحبها أميناً فإذا ما تعرضت أمانتك للمساومة اضطررت للدفاع عن نفسك وعن حقك ففي صمتك قدرة على جعل الأمانة تتكلم عن صاحبها وفي كلامك قدرة على جعل الأمانة شيئاً ثابتاً وقد يتولى الدفاع عنها غيرك وقد تتولى بنفسك الدفاع، فإذا ما تولى الدفاع عنها غيرك أخرجت معها وجهك الحقيقي، وإذا توليت بنفسك الدفاع أخرجت فقط وجهها الحقيقي فتعلم كيف تصمت من بعد أن تتعلم كيف تتكلم.

إن الضعف هو الذي يتكلم ليحل محل القوة وإن القوة هي التي تتكلم لتبرز وجه صاحبها الحقيقي. فالدفاع عن ضعفك بالكلام لا يؤدي عمل الدفاع عن قوتك بالعمل. ولا بد للقوي وللضعيف من إبراز وجهه الحقيقي ففي الصمت عن ضعفك دليل آخر على توهمك بهذا الضعف وفي الكلام عن قوتك دليل آخر على توهمك بالقوة فتعلم كيف تصمت من بعد أن تتعلم كيف تتكلم.

حمص في 29/10/1967

Maitre élève – المعلم وتلاميذه

Par défaut

المعلم وتلاميذه

بقلم محمود خالد الحسامي

المعلم يعلم تلاميذه مايفيدهم؛ فالتلميذ الأكثر حفظاً واستمساكاً بمبادئ الدرس هو الذي يستفيد أكثر ويكون محظوظاً من أستاذه فهل للذاكره مثل هذا الحفظ وهل للفراغ مثل هذا الا متلاء؛ وهناك التلميذ الذي ينسى مثل هذه القراءة ولكنه لاينسى مثل هذا الخلق الذي درجت عليه هذه المعلومات فهل له ذات الحظوة الذي لسابقه من الذي يستعيد بالمعلومات في كل وقت وحين عند معلمه.

وأخيراً هناك التلميذ الذي يسمع الدرس فتهتر له المشاعر لجودة الإلقاء وجمال المعنى وروعة الحكمة غير أنه بنهاية الدرس لايستطيع أن يضبط أعصابه لتأتي الذاكرة في الحفظ وتستولي على فؤاده وقلبه وروحه. فهل هذا الإنسان إذا ماقيس بالأول الذي يستفيد بالمعلومات في كل وقت وحين ويقارن بالثاني الذي لايقدر على هذه الإعادة إذا طلب منه ذلك ثم ماذا يكون لدور التلميذ الثالث الذي لايحفظ ولاينسى وإنما جرت المعلومات في دمه وروحه فشغله رونقها وبهاؤها وعظمتها وقوتها عن أن تكون أداة للنطق بها فقط دون أن تأخذ بمجامع قلبه.

إن هذا المعلم حقاً هو معلم الجميع بلا نزاع تلقى الدرس منه الكبير والصغير فكانت دروساً عامة في كل منحى من مناحي الحياة وبدا تطبيق هذه الدروس في نفسه وسلوكه أولاً فما حاد عنها في وقت الشدائد وكلما مر الزمن أخذت هذه الدروس بالتعليم واتساعه حتى غدت دستوراً لمن أراد أن يكون حراً في وطنه وقوياً في نفسه وكريماً مع اهله وقدوة في سلوكه.

لقد رأيت الذين حفظوا الدروس كلمة فكلمة ثم استطاعوا أن يأتوا بها في كل حين هم الذين كان لهم الإجلال من بعده وهم الذين تولوا منصب التقدير والاتباع من بعده أما الذين لم تسعفهم الذاكرة في هذا الحفظ المتين فهم وأن لم يرددوا هذه الأقوال كما سمعوها غير أنهم يستطيعون أن يترجموها في ذاتهم ولكنها لم تظهر بالوضوح الذي ظهرت عليه من استطاع أن يعيدها كما قيلت وحفظت.وأخيراً فإن الذين طابت أنفسهم لسماعها وارتاحت قلوبهم لحقيقتها وعز عليهم أن تكون ملء الذاكرة فقط دون أن تحتل دماءهم وروحهم فهم أناس أحبوا معلمهم ولم يتمكنوا أن يترجموا هذه المحبة فتبلغ لتصل إلى مرشدهم الأول، ولو أنها جاءت في تعبيرهم بالقياس المضبوط لرأينا اللهفة التي تتمثل بالصراع النفسي في ألمها وأملها لها شأن كبير غير انها مع الأسف لاتحظى بالوجود البارز المعلن

Deux enfants au froid – طفلان صغيران في يوم بارد

Par défaut

طفلان صغيران في يوم بارد

بقلم محمود خالد الحسامي

طفل صغير لا يتجاوز من العمر سنتين الطريق طويلة، واليد ليست فارغة عما وجب عليها، الطريق طويلة تستوجب التأخر عن الوصول إلى البيت مشياً على الأقدام، ويزيد في مشقة السير ما تحمله اليد من حوائج ضرورية لا يمكن تأجيلها لوقت آخر، وهي على بعد المسافة يسرت الذهاب والمجيء بما سيرت عليها من وسائط للنقل متنوعة ولذلك فإن المشكلة ليست في السير أو الركوب ولا في الانتظار أو التأخير بل المشكلة كما بدا لي مما يحمله الباص من ركاب في تزاحمهم للوصول إلى المقعد الذي أعد للجلوس لينتهي بالمنتقل إلى مكان استقراره.

تجاوزت ازدحام الباص وتدافعهم إلى مسألة شغلت نفسي وأخذت اهتمامي وهي ما وقع عليه عيني من مشهد هذا الموظف وهو جالس في مقعده يحمل بيده طفلاً ويمسك باليد الأخرى طفلاً في ليلة باردة لا يحمي جسمهما من لفح الهواء القارص إلا رداء رقيق ليصل إلى عظمهما الغض الطري تأملت جيداً بالطفل المحمول وقد لوى رأسه وعنقه فما استطعت أن أنظر إلى وجهه وعينيه ولكن الاصفرار والارتجاف أخذا منهما كل مأخذ فما عساهما ينطقان ليقولا ويعبرا عن ألمهما من الجوع

والنعاس والبرد.

إن في لونهما وهزال جسمهما ما يدل على أن الغذاء المعد لهما لا يُعطى إلا بمقدار ما يضمن لهم الحياة ويدفعهم عن البكاء، وإن في أثوابهما ما يدل على أنها أقمشة تستر جسمهما من العراء فقط ولا تنفع لا بكثير ولا قليل في النظر إليها على أنها حماية من عناء البرد ولكنها تكفي أنها رداء يحجب عن رؤية الصدر والبطن وعما يشف. نظرت بعدها إلى الأب الذي له عين يرى بها وجه الأولاد لينظر من خلالها وجه ابنه فإذا به متعب منهك القوى لا يعرف جسمه الراحة حتى تعرف عينه التأمل رأيته ورأيت طفليه وقد طار قلبي من بين جوانحه إلى عيني لتدمع وإلى لساني ليتمتم وإلى ذاكرتي لتستذكر وإلى قلبي ليستوحي.

الجد والعمل هو الطريق الوحيد للقضاء على الفاقة والعوز فالجوع يتطلع إلى باب العامل النشيط ولا يتجرأ الدخول فيه، غير أن المرء لا يستطيع أن يسير نفسه إذا كانت الأقدار قد سيرته وجعلت من عماله واسطة للقضاء على كامل وقته حتى لا يهدأ ولا يستطيع أن يفكر في أطفاله، بالإضافة إلى أن هذا الراتب البسيط لا يتناسب مع مقتضيات حاجة الطفل من العناية والرعاية وحقه من التغذية والتعليم أليس هو طفل اليوم ليصبح رجل المستقبل، أليست   هي فتاة اليوم لتصبح أم المستقبل ينبغي علينا أن نولي هؤلاء الأطفال حقهم من الاهتمام ليس فقط في المدرسة للتعليم وإنما في الكساء الذي لا يختفي عن العين رداءته فتتألم النفس للشقاء والذي يحل بأطفالنا ونحن غير قادرين على إزالته.

أين عين والده ليرى طفله وقد ارتدى لباساً صالحاً يرضي به عنه قبل أن يرضي به الناس أين عين والده ليرى طفله وقد حماه من البرد مثلما حماه من الحر. توقف الباص لينزل الركاب وليصعدوا هرولت مسرعاً لأغمض عيني غير أن قلبي لم يزل مفتحاً وذاكرتي لم تزل مستذكرة، تذكرت فيما تذكرته حاجتنا إلى الزكاة والصدقة وقول سيدنا علي بن أبي طالب ما جاع به فقير إلا بما متع به غني والله سائلكم

عن ذلك.

Mère et Fille – مناجاة ام لأبنتها المغتربه

Par défaut

مناجاة أم لابنتها المغتربة

بقلم محمود خالد الحسامي

لشد ما يؤلمني بعدكِ عني في المكان وقربك مني في عقلي ونفسي وإحساسي أنا مطمئنة عنك على صحتك وراحتك لما أخبرت به من رسائلك التي لا تنقطع، غير أن هذه الرسائل تريني مدى ما تتمتعين به من سعادة وهناء لا يكملها إلا قربك مني وقربي منك لأن وجهك الجميل يبتسم للدنيا في إشراقة كل صباح وأنت ترين من حولك زوجك وأطفالك في صحة جيدة ورضى تام.

إلا أن هذا المنظر الذي يوحي بالانشغال عن متاعب الدنيا إلى بهجتها لا يكتمل صورته الجميلة إلا أن يكون مع شخصي الوحيد الذي رأيته لأول مرة في الوجود وأنت تبصرين النور والحياة، إنني الآن في ترقب وانتظار لأسمع صوتك يناديني فألبي نداءه أما صوت قلبي الذي يناديك فلا تسمعيه هو صوت خارج من أعماق قلبي أحسه فألتفت يمنة ويسرة عله يكون صوتاً لشخصك وعندها أتمتع برؤيتك متعة تبعث إلي النشاط والقوة والصحة.

بنيتي: أنا أمك التي تريدك أن تكوني بجانبها وقد طال بعدك عنها وطال الشوق فالبعد لا ينسيني عنك ولا يسليني فلربما شغلك عني ما تتمتعين به من رؤية فلذات كبدك يضمهم البيت الحنون الذي فيه الأب العطوف على زوجه وأولاده غير أنه سيمتد بك العمر إن شاء الله فتشعرين كم هو قاس على الأم فراق ابنتها فراقاً من ورائه الجبال والبحار فهلا أسمعتني صوتك وأبصرتني وجودك بالاقتراب مني والحضور لطرفي فأصحو من بعد غفلتي وأستيقظ من بعد رقادي وأهدأ من بعد قلقي.

لم أعرف صعوبة الحنين والشوق إلا من بعد ما كابدته من حنينك وشوقك فالدنيا تجتمع فيها المسرات والآلام وأكبر مسرة هو عندما يؤتى بك لأضمك إلى صدري ضمة تلوها أخرى و أخرى حتى أرتوي من ظمآي وأسلمك بعدها إلى العناية الإلهية لتحفظك بمزيد من العطف والرحمة.

بنيتي : صبر جميل من القلب الحنون الذي لا يقسو عليك في قربك وبعدك وفي وصلك وانقطاعك لم يكلفك الحضور إلى طرفي سوى رنات وطنين أذنك فتركضين وراء الصوت لتعلمي مصدره فإذا أنت بجانب أمك وإذا أمك بجانب عزيزتها وعندئذ يصدق حس القلب وصوت الفؤاد فيما يحدث ويتحدث.

بنيتي: أراك جميلة فوق جمالك وأراك عظيمة فوق الخلق فلا أدري أتعودين إلى جمالك الحقيقي ساعة لقياك وحضورك حيث يطول المكث والبقاء أم أنه يزداد جمالاً لأنك ستحضرين ولا يدوم شعاعك بيننا طويلاً لأنه كلما سطع بدأ يحجب نوره عنا وكلما أمعنا في التمسك به تذكرنا أن رؤيته إلى موعد ولقاءه إلى لقاء آخر غير معين.

مسكينة تلك الأم التي كل أملها في الحياة أن ترى فلذات كبدها سعيدة هنيئة ولو كانت هذه السعادة من أسباب انقطاعهم عنها فيبقون على النسيان وتبقى على التذكر وفقك الله يا بنيتي إلى الخير والرضا وأتم عليك التوفيق برؤية أولادك وهم يقومون بواجبهم كجنود عاملين لخير الوطن وسعادته وأطال الله بعمرك وعمرهم فتقعدين معهم من بعد هذا الصبر الطويل وتجلسين جلسة تضمك وإياهم في حياة هنيئة سعيدة فتنسين العذاب الطويل: عذاب الفراق والبعد من قبل أن يستشهدوا ومن قبل أن تخرج روحك إلى خالقها وإذا أراد الله لهم هذا المآل المشِّرف فأنت فخورة وسيكون لقاؤنا في ملقى الشهداء الأبرار من عباد الله الصالحين.

Grâce au Dieu – الحمد لله

Par défaut

الحمد لله

بقلم محمود خالد الحسامي

إذا ملكت النفس فابغ رضاها فالأب راعي الأسرة يجب أن يحفظ حق أهل بيته كي لا يثوروا عليه وينتصروا لكبريائهم وعزتهم ومثل الأب في واجبه راعي الشعب والأمة عليه أن يساوي في الحقوق بين الأفراد فينصفهم جميعاً دون تمييز.

قلت لصاحبي يوماً متلهفاً: « سوف أحظى في هذا العام بحقي في التعيين ويكون اسمي من بين الأسماء وإن الفشل الذي أصبت به في العام الماضي وما سبقه لن يتكرر في هذا العام وإني كلما أخفقت في أمر نجاحي مرة وجدت بيني وبين مطلبي حاجزاً منيعاً صنعته يد غير يدي ولا بد لي من بناء حاجز منيع يقابله يد تصنعه غير يدي فأرضي نفسي لأني إذا أردت اقتحام الحاجز المسوى أمامي كان علي أيضاً أن أقحم الحاجز المسوى من يد تعرف الرضا في كل شيء فتدخله في أعماق القلب حتى يكون مقبولاً بكليته وفي ذلك لي كل الراحة ».

سمعت من صاحبي رده الذي جرى على لسانه كأنشودة جميلة أتقن حفظها وأصبحت تسري في دمه « وهل لك التماس في الموضوع » فكان جوابي له إن يقيني شيء موجود في أعماق قلبي ينصفني من نفسي وينصفني من حقي أما أنت فإنك آمنت بما آمنت به جماهير الشعب، آمنت بالحق الذي تدعمه القوة، آمنت بالحق الذي ينتصر له محققوه، آمنت بالحق الذي من ورائه الحق.

عدت بعدها إلى قلبي أحيي ما تهدم منه لقاء صدمة جديدة فوجدته قد تهدم بكامله وإني بنيت في كل صدمة حاجزاً منيعاً مقابلاً له فلم يعد لي قلب حقيقي أعيش به وإنما لي قلب اصطناعي بنيته من مجموعة الصدمات التي لا قيتها في كل مرة.

أردت بعدها أن أتعرف إلى قلبي الحقيقي فوجدته في أنين وإحساس لا ينقطعان إلا بعد أن تغمض العين عن النظر والأذن عن السمع وتتوقف حركة اليد والرجل فلا تقويان على العمل والسير لأقول بعدها: « الحمد لله على كل حال ».

حمص 20/90/67

الدعو