العمل والجدل
بقلم محمود خالد الحسامي
القدرة في العمل استعداد موهوب ومكتسب يتدرج في الأهمية إلى أن يصل بصاحبه إلى جلائل الأعمال، وليس لك بعد ذلك أن تتعجب وتتولاك الدهشة لما يعمل ويتصرف بما هو قادر وما أنت به عاجز.
كان الوقت في الصباح الباكر، وكان عمله في المحافظة على صيانة الخط، وكانت السيارة الموضوعة تحت تصرفه هي التي أوجدت اللقاء العاجل، لأن المطر الغزير كان مساعدا لهذا التعرف الذي تم، ليكون الانتقال سهلا مع الوصول إلى العمل، والمقابلة التي لها مبررها لوجود الصلة بين ولي الطالب وأستاذه في كل ما يحيط الطفل من أوضاع أسرته وأهله.
كان يسوق السيارة وكان يرد على جميع الأسئلة بشكل لا تجعل منه سائقا طائشا ولا مستمعا مذهولا، لقد ودعنا الرجل إلى لقاء آخر يكون فيه الطقس ماطرا وضرورة السير في المطر الغزير يؤمنه المركب المتحرك الذي يتسع لستة أشخاص فقط إذا كان السائق فارغا وكانت السيارة فارغة.
عرفت واحدا من أطفاله وكان عليّ أن أعرف أباه من قبل لأني وجدت في هذا الطفل سراً لم أتبينه من رفاقه ولما تعرفت عليه صار هذا السر أمرا واضحا لا اعجب لوجوده بل أعجب لعدم وجوده إنه قوة الملاحظة التي أعطيت له وقد اقتبسها من بيئته وبقي الشيء المفقود عندها ضعيفاً في محاولاته فماذا أعد رب الأسرة وماذا لم يتمكن من إعداده ليزرع في أطفاله ما أعد لهم ويزرعون من أنفسهم ما لم يتمكن
هو بنفسه من زرعه.
لقد هيئ لهم كل ما يلزمهم من حاجات للأكل واللباس والسكن والإنفاق ليبقى هو منصرفاً إلى عمله يديره بكل إخلاص واقتدار وأما ما تبقى فقد أوكله إلى من تقوم مقامه في غيابه من إدارة البيت وحمل الأمانة، وعلى الطرف الثاني امرأة تحمل من المسؤولية والواجب فوق قدرتها قد هيأت كل أسباب التعاون بينها وبين زوجها فتساعده في توجيه الأولاد ومراقبة دروسهم والاهتمام بتقدم سيرهم العلمي بالإضافة إلى تنفيذ جميع ما يتطلب منها في نظافة البيت وحسن الترتيب والهندام ناهيك عن قدرتها في تسيير الأمور وضبط النظام.
كان اللقاء معها يضم مجموعة من الزملاء وعلى حضور من زوجها وابنها الأوسط في غرفة الاستقبال التي أعدت للزائر بزيارة ودية ليس يتخللها أي مساس للأدب وسوء التصرف. كان الحديث يدور حول العلم والتعلم واستعداد الطفل لهما في سن مبكرة إذا وجد من المعلم تيسيرا وتبسيطا لمادة الدرس فيعشق المادة التي يدرسها فيزيد من المطالعة والاهتمام وما هي إلا سنوات حتى يكون متفوقا وقادرا على الفهم والنجاح تطرق الحديث إلى موضوع آخر أحببت أن أدخل به دون استئذان لأنه من متممات النجاح والسعادة لتلك الأسرة الهادئة المنتظمة.
الشيء الذي يجعلك قوية على العمل هو الشيء الذي يجعلك تنفردين بالسيطرة والنفوذ على جو البيت، والشيء الذي يجعل زوجك قويا هو المنطلق الأساسي لقدرتك على هذه السيطرة والفوز بإشعاره أنه سعيد وأنك لست إلا خادمة لكل واحد من ضمن الأسرة مع أنك أنت السيدة وليست إرادة تقوى على إرادتك.
لقد كان الحديث بداية ضجة انتهت بفهم الزوجة لما أقول و سمعها لما أشرح والإذعان لما جاء من سيطرتها دليلا على قيامها بالواجب كزوجة مثالية وقيام زوجها بالطاعة لتأمين كامل حريته ونشاطه. وإني لأذكر مع مثالية هذه الزوجة ومثالية الزوج في المثل السابق ما سمعته من زملائي لإثبات ما هم بحاجة إلى هذا النوع من المثالية الموجودة والتي تعوز أكثرهم بينما هي معدومة عند زوجاتهم للدليل الآتي من حديثهم الذي لا يصح في أكثره ويصح في هذا الموضوع. كان الاعتراض شديدا لما ورد من ذكر بعض الكلمات وقد جاءت بسياق الحديث و في موضعها من الشرح وليس أن أردد مثل هذه الكلمات لأرد عليها بنوع من التعليق بل أكتفي بقول ما جاء به
الأمام الاوزاعي:
إذا أراد الله سوءاً بقوم
أعطاهم الجدل ومنعهم العمل
16/1/1969