Ingrat – جاحد الجميل

Par défaut

scan-cover

جاحد الجميل

 

بقلم محمود خالد الحسامي

أقبح مافي المرء من خصال ان يكون جاحدا غير معترف بالجميل وقد يكون ذلك مبعثه من غرور مستعظم فلا يشعر بالفضل للمحب المحسن العطوف. وقد يكون مبعثه من استخفاف لهذا الحسن فلا يرى الجاهل إلا الصورة المعكوسة لجهله وقلة ادراكه وأخيراً يكون مبعثه للسلطة التي منحها المحب المحسن لمحبوبه والمتسامح معه. فعلى كل حال لكل داء دواء ودواء المغتر الجاحد هو الابتعاد عن مسامعه وعقله لفترة من الزمن عما يصيبه من نعمة المنعم ومن فضل المحسن ومن كرم المحب، حتى إذا ما انتهت المدة التي تصلح له ان يتعلم ويدرك عاد إلى صوابه ورجعت انسانيته لنفسه وبدأ يشكر ثم يشكر حتى ينتهي به المطاف إلى السجود والركوع، غير أن هذا التصرف لم يلق استحساناً من محبه وإنما الذي يريده محبه ان يتفهم جيداً ويقتدي حسب ما يطلب منه إذا كان قادراً أو مقلداً.

يحز بنفسي أننا لانفهم القادة إلا بعد مرور الزمن على قيادتهم وصبرهم ومرارتهم فلا يكون العون لهم إلا بعد ان يكتشفوا ان الجهاد في سبيل مكافحتهم ونضالهم ليس إلا شعوراً عظيماً بالمسئولية وحباً كبيراً لوطنهم وكرامة مواطنيهم. كما يحز بنفسي أيضاً ان تكون الصلة بهؤلاء القادة صلة انتفاع ومكاسب لشخصهم دون النظر إن المصلحة الخاصة تزول وأنه لايبقى إلا المصلحة العامة التي فيها استقرار للجميع.

لقد امتحن الشعب هؤلاء القادة فجرب اكثر من مرة فلم يجد إلا الثبات في المبدأ والحرص على الاخلاص إن كان ذلك في البداية او في النهاية وعلى كل حال لاتثبت محبة الشعب لهذه القادة إلا ان يعي وعياً كاملاً لما أراده هؤلاء القادة من شدة في وقت المحن ومن رخاء في وقت السلام والطمأنينة.

ان العمل على فهم كل ذلك يأتي من المشاهدات والنتائج التي يلمسها الشعب في قائدهم فهو يبذل ويبذل ويقاوم ويقاوم ويطلب ثم يطلب ويدعو ثم يدعو وكل ذلك لاتلين له قناة ولا يغمز له عود، في كل مرة يؤيد القائد دعوته على حب الناس للعمل لزيادة الانتاج لا يكتفي بالانتاج الموجود بل يطلب الاستمرار في النشاط والجهد ليكون العمل في تحسين الانتاج طوعيا يؤتى من حب العمل وحاجته وفوا ئده.

فاذا ما تحقق هذا الطلب وبدا الشعور بالمسؤولية وزادت القدرة على الانتاج، فان ذلك قوة تدفع للعطاء وعندها تأتي الدبلوماسية في العلاقات الدولية حبا بالوصول بهذه العلاقات الى الحق الامثل والمعاملة بالمثل.

كانت هناك كلمات و كلمات تقال ويرجى منها الاقناع والقبول بالرضى، غيران هذاه الكلمات ضاقت بها بعض النفوس فكان البعض يعدها قولا مكررا وما ان ثبتت هذه الاقوال بالافعال وامتحن قائلها في قدرته على الشدائد واللين معها حتى تنفرج وحتى تراجع المستنكر عن انكاره. وخضع للحق الذي كان له يكابر ولايسمع به وبذلك أنتقل القادة إلى مر حلة اخرى من جهادهم هو العودة إلى ذاتهم ليقوموا ببعض أو بكل ماوجب عليهم عمله ويبقى القائد للاسترشاد والرجوع إليه في قيادة الأمور.

لم يكن الحرب لهذه القادة هو غايتهم وهدفهم وإنما كان وسيلة للوصول بها إلى المطلب الحق، ولم يكن السلم لهذه القادة إلا عودتهم بعد الحرب، على ان السلم ينفع إذا لم ينفع الحرب وإن الحرب حاجة قاهرة يلجأ إليها حيث لاينفع السلم.

إن للسلم مهمات كبيرة قد تكون أصعب من الحرب فهو مع الدبلوماسية والذكاء والثبات وتقدير الأمور وإخضاع المعتدى عن عدائه حيث لايستطيع بعدها أن يقول شيئاً او ينكر شيئاً، وما انكره كان دافعاً من هيمنته ومايقره لم يكن إلا من تغلب الحق على الباطل والخضوع له مهما جاء من تلفيق أو تدوير.

إن البحث في موضوع السلم يصفق له جميع الناس فهل يستطيع المنكر للحق أن يتمرد على الغلبة الكثيرة المجمعة فلايقدر المعتدي أن يقول الحق في وقت الحرب ولكنه يقوله في وقت السلم بعد ان تسد له جميع الثغرات التي كان يدخل منها

للنفوذ إلى الباطل.

إن حقوق الانسان لايعدم له من مناد وصارخ ولعل اللجان المنبثقة عنه تستزيد من معارفها في الموضوع الذي تبحث عنه، غير أن استمرار هذه اللجان على الدعوة لقول الحق والتعرف به ورفع الصوت له لم يبدأ ولم ينته إلا أن يقف المتنخاصمان وجهاً لوجه يتحاوران وليس للمبطل من حجة، وليس له بعد ذلك إلا الخذلان فيما لايقره ويعمل به ويقوم له بين شعبه ومواطنيه