طفلان صغيران في يوم بارد
بقلم محمود خالد الحسامي
طفل صغير لا يتجاوز من العمر سنتين الطريق طويلة، واليد ليست فارغة عما وجب عليها، الطريق طويلة تستوجب التأخر عن الوصول إلى البيت مشياً على الأقدام، ويزيد في مشقة السير ما تحمله اليد من حوائج ضرورية لا يمكن تأجيلها لوقت آخر، وهي على بعد المسافة يسرت الذهاب والمجيء بما سيرت عليها من وسائط للنقل متنوعة ولذلك فإن المشكلة ليست في السير أو الركوب ولا في الانتظار أو التأخير بل المشكلة كما بدا لي مما يحمله الباص من ركاب في تزاحمهم للوصول إلى المقعد الذي أعد للجلوس لينتهي بالمنتقل إلى مكان استقراره.
تجاوزت ازدحام الباص وتدافعهم إلى مسألة شغلت نفسي وأخذت اهتمامي وهي ما وقع عليه عيني من مشهد هذا الموظف وهو جالس في مقعده يحمل بيده طفلاً ويمسك باليد الأخرى طفلاً في ليلة باردة لا يحمي جسمهما من لفح الهواء القارص إلا رداء رقيق ليصل إلى عظمهما الغض الطري تأملت جيداً بالطفل المحمول وقد لوى رأسه وعنقه فما استطعت أن أنظر إلى وجهه وعينيه ولكن الاصفرار والارتجاف أخذا منهما كل مأخذ فما عساهما ينطقان ليقولا ويعبرا عن ألمهما من الجوع
والنعاس والبرد.
إن في لونهما وهزال جسمهما ما يدل على أن الغذاء المعد لهما لا يُعطى إلا بمقدار ما يضمن لهم الحياة ويدفعهم عن البكاء، وإن في أثوابهما ما يدل على أنها أقمشة تستر جسمهما من العراء فقط ولا تنفع لا بكثير ولا قليل في النظر إليها على أنها حماية من عناء البرد ولكنها تكفي أنها رداء يحجب عن رؤية الصدر والبطن وعما يشف. نظرت بعدها إلى الأب الذي له عين يرى بها وجه الأولاد لينظر من خلالها وجه ابنه فإذا به متعب منهك القوى لا يعرف جسمه الراحة حتى تعرف عينه التأمل رأيته ورأيت طفليه وقد طار قلبي من بين جوانحه إلى عيني لتدمع وإلى لساني ليتمتم وإلى ذاكرتي لتستذكر وإلى قلبي ليستوحي.
الجد والعمل هو الطريق الوحيد للقضاء على الفاقة والعوز فالجوع يتطلع إلى باب العامل النشيط ولا يتجرأ الدخول فيه، غير أن المرء لا يستطيع أن يسير نفسه إذا كانت الأقدار قد سيرته وجعلت من عماله واسطة للقضاء على كامل وقته حتى لا يهدأ ولا يستطيع أن يفكر في أطفاله، بالإضافة إلى أن هذا الراتب البسيط لا يتناسب مع مقتضيات حاجة الطفل من العناية والرعاية وحقه من التغذية والتعليم أليس هو طفل اليوم ليصبح رجل المستقبل، أليست هي فتاة اليوم لتصبح أم المستقبل ينبغي علينا أن نولي هؤلاء الأطفال حقهم من الاهتمام ليس فقط في المدرسة للتعليم وإنما في الكساء الذي لا يختفي عن العين رداءته فتتألم النفس للشقاء والذي يحل بأطفالنا ونحن غير قادرين على إزالته.
أين عين والده ليرى طفله وقد ارتدى لباساً صالحاً يرضي به عنه قبل أن يرضي به الناس أين عين والده ليرى طفله وقد حماه من البرد مثلما حماه من الحر. توقف الباص لينزل الركاب وليصعدوا هرولت مسرعاً لأغمض عيني غير أن قلبي لم يزل مفتحاً وذاكرتي لم تزل مستذكرة، تذكرت فيما تذكرته حاجتنا إلى الزكاة والصدقة وقول سيدنا علي بن أبي طالب ما جاع به فقير إلا بما متع به غني والله سائلكم
عن ذلك.