حسن النية .. والتفسير
بقلم محمود خالد الحسامي
ما من مجلسٍ يجتمع بعض الوقت ليلهو في الأحاديث إلا وتكون النتيجة استمرار في حسن النية أو سوئها وحسن التفسير أو سوئه من بعضهم إلى البعض الآخر. كان الباعث لهذا الاجتماع هو فراغ الوقت وكان الباعث لهذه الأحاديث هو حب الكلام واستصواب الرأي أو استهجانه وكان الباعث لهذه التفسيرات ولهذه النوايا في الصحة والصواب وفي الجودة والطيبة هم الأشخاص بهويتهم لا الحديث بمغزاة فإذا ساءت الأشخاص بأعينهم ساء الحديث بمدلوله ومعناه وحمل اسم صاحبه من التفسير والمآل بما كان يحمله صاحبه من الدلالة والمعرفة.
سمحت لنفسي بالجلوس مع مجتمع يلهو بعض الوقت ولو كان هذا اللهو من حساب صحة أفراده ونشاطهم ومن حساب فضيلتهم ولباقتهم. كان هذا المجتمع نخبة من الشباب طوح بهم الفراغ فصاروا عبثاً ومجوناً يتجاذبهم الضحك إلى البكاء عليهم لا لشيء إلا لأن النتيجة كانت بتراشق الشتائم وقد تناولت الجميع حتى من كان بعيداً عنهم وفي غير مجلسهم.
الوقت وقت غروب والمكان حديقة النادي وقد شاهدت بعيني كيف بدأ المجلس بالاتزان والانتظام وكيف آل بعده إلى هذه التفرقة المشينة التي قضت بالمجلس وجماله إلى حالة تدعو للأسف والندم.
المجموعة من الشباب تنتحي جانباً من الحديقة وقد خيم الصمت على أكثرهم. كانت العيون تحدق في كل جانب من الجوانب المكان. بدأ الصراخ يرتفع من أحدهم منادياً للزائر القادم الذي رأى بعينه وأحب أن لا يراه أحد وسمع بأذنه الكلمات المدوية بحضوره وإحضاره إلى مكان الزمرة غير أنه أصمّ عن السماع. كان المجلس فارغاً من كل شيء حتى من الذكريات والآمال. كان فارغاً منها ليملأها بذاكرة مشحونة بالآلام والتأملات. إنه كان يجهلها قبل وقوعها وكان ناسياً لها بعد وقوعها وآسفا كانت داعية لها لبعث نشوة جديدة ولو على حساب الصحة والكرامة والفضيلة.
ما كادت العين تقع على الزائر متخذاً مكانه بعيداً عن المجلس حتى سارع أحد الأبطال بالوصول إليه والإتيان به على الرضا أو على السخط بعد مشادة طويلة تمكن بها البطل من الظفر بالإنسان الذي اسمه زميل أو بالأصح اسمه الثائر المتمرد على مجلس قومه وقد سمي إحضاره نصراً أو بالأصح فشلاً لصفاء المجلس من قبل وعكرته واعتكاره من بعد.
وفي هذه الأثناء كان قد حضر فنجان القهوة الذي طلبته في وقت كان السكون والهدوء مخيمان على هذه المجموعة من الرفاق. وخلال المدة التي استغرقت وصول القهوة وطلبها كانت المبارزة الكلامية على أشدها وكانت في موضوعات محصورة وأشدها حصراً الطلب لي بفنجان قهوة أو قدح شاي على حساب الزائر الجديد.
لم يكن أحد ليتذكر ما كنت قد طلبته من قبل لنفسي ولم يكن أحد ليعلم أني مسرور بأن أكون مضيفاً اكثر من أن أكون ضيفاً، غير أن ارتفاع الأصوات من الحاضرين خلال الكلام منعهم أن يفهموا ما كان الزائر يقصد من الرد وما كنت أقصد من حسم هذا الجدل الطويل فطلبت قدح شاي.
تمنيت أن يكون نهاية هذا المطاف في النزاع والضحك وأن يختم الجلسة بما بدأت به من الاتزان والتواضع لولا الغرض والهدف اللذان يرميان إليه بعث الضجة والقلقة في سبيل الضحك والإضحاك وأنا أقول في سبيل المهزلة والاستخفاف لإضاعة وقت قصير من السخرية تجعل الأبواق فيها مفتوحة بأعلاها لتري ما بداخلها حتى تصل إلى أعمق الأعماق.
تركت المجلس على حالة في موج عارم من الضحك تارة والترازل تارة أخرى وأنا بعيد أرى وأسمع وهي يشتد أوارها تارة ثم تخمد وتعود من بعدها إلى الاشتعال مرة أخرى لا لتخمد بل لتزيد في اللهب والهياج وفي وسط هذه المعركة الوهمية الخيالية المراد بها جلب السرور والتفرج على أنواع جديدة من المعارك نهضت من مكاني ألتفت إلى اليمين واليسار لأرى القوم في تمام انشغالهم ببعضهم البعض ولأقول لنفسي وأنا أهم في الخروج إنها محضر جلسة في البكاء لا في الضحك وإن السرور الذي توهمناه كان نتيجة في الفشل لعدم معرفتنا في فن الضحك. فظهر بمظهر البكاء والضحك الحقيقي والسرور الحقيقي يخرجان بعد عمل طويل نقوم به لينتج قوة تدعو بعدها إلى الراحة للاستعداد لعمل آخر مستمر مكمل لما بدأ به فاستحق بعدها الضحك وفي جو ظريف من الألفة والمحبة وفي جو تام من الثقة والطمأنينة وفي جو كلي من حسن النية والتفاهم سمعت واحداً من الحاضرين وقد عودنا بترتيلاته لا على نغم الإيقاع والانسجام بل على نغم النشاذ والمعارضة.
دعوت لرفيقك قدح شاي يشربه ولم تدع جميع الرفاق إلى ما خصصته له، إنه سر ويبقى السر في نفسك فرددت عليه قائلاً ليس في الأمر سر كما تدعي وإنما السر كل السر أن تفهم مثل هذا الفهم ففهمك لغز استعصى على الآذان مساغه وقبوله. إنها مشكلة الفهم وسوء التفسير. العفة تغلب الدناءة عليها، الحرية ووضعها في هذا النطاق الضيق، الكرامة على حساب مساواتك للناس ولو بقدح شاي تشربه بعد أن امتلأ بطنك بكاسات الشاي السابقة التي شربتها في الوقت الذي فيه لم يدخل زميلك في
بطنه واحداً منها.
الحقيقة المسألة ليست مسألة شاي أو غيرها إنما هي مسألة فراغ وانفلات في اللسان فليس الوقت متسعاً لامتلائه بجواهر الأمور فملأها بالقشور وليس اللسان مقيداً موزوناً ليحجم عن الكلام بما لا يليق ولا يصلح.