يوم وليل
بقلم محمود خالد الحسامي
دعني أنقطع لعملي تماماً فإنك تقف أمامي عثرة في طريق المتابعة، إنك تقوى على انصرافي عن عملي ولكنك لا تقوى على امتناعي عن الرغبة في المضي قدماً إليه، لست بإنسان يحمل الإمكانية اللازمة على مجابهة هذا الاهتمام بالحئول دون قيامه ولكنك بالمادة التي تغذي الآلة لتقوى على السير في عملها المنتظم فتعطي منها بحساب لتجعل هذا العمل بحساب فما أردت قط لعملي تقييداً كما أردته لي فإنك تريد أن يكون عملي خاضعاً لمشيئة مادتك التي بها تمسك بزمام العمل فتجعله محدود القدرة والإنتاج.
أن مادتك هي في توقيف الفكر عن التغذية ريثما تأتي التغذية موافقة لمادتك، مادتك هي في تحديد نشاط الجسم ريثما يأتي الجسم مطواعاً لندائك، مادتك في الصعود إلى الأعلى بدون جناح وبالهبوط إلى الأسفل بالامتناع عن الاكتساء بالجناح الوهمي الضعيف المصطنع.
دعني أنقطع إلى عملي لأني أحببته حيث أنه تغذية لي ولك وللآخرين ودعني أنصرف عن عملك لأنه تغذية فقط لك وحدك، حبست المادة عن آلتي في الوقت الذي تريد فيه لهذه الآلة مضاعفة في القدرة والنشاط، آلتي صحة وعيش وشباب وآلتك شفاء وعلاج وتيسير دعني فإني أجد المادة وسيلة للمتابعة في عملي، أما أنت فإنك تجد عملي وحده كافياً ليقوم مقام هذه المادة نجده كافياً في القول لا في العمل، أما أنا فأجده في العمل ليكون القول تعريفاً وتدليلاً وتسمية له.
دعاني إلى هذا الكلام ما عرفته عن إنسان بين يوم وليلة بين عمله في الأمس وعمله في الحاضر، بين حياته في الماضي وحياته التي يحياها الآن في يومه. كان هذا الإنسان قريباً مني على غير علم فأصبح بعيداً عني على علم بقربه كان لا يعرفني ولا أعرفه ومع ذلك ذكرني وتذكرته كان مشغولاً عني بانصرافه إلى مركز عمله في غير مركز عملي وكنت مشغولاً عنه بانصرافي إلى واجبي الذي أوجب عليّ فوق ما أنا فيه من اهتمام وقلق و كان مشغولاً بواجبه الذي أوجب عليه أيضاً أن لا يسمع
بي ولا يراني.
قضى هذا الإنسان حياته في الكفاح والجد والاجتهاد دون أن تنام له عين أو يهدأ له بال، ولما أريد له الهدوء والاستقرار والراحة أحب أن يجعل حمص موطناً له ليستقر ويجعل من بيتي جواراً له. بدأ هذا الإنسان عيشاً جديداً في وطن جديد أما وطنه القديم فهو الارتحال والتنقل إلى حيث ما يفرض عليه العمل والواجب. تعرفت إليه بشكله وبخطواته ونبرات صوته دون أن أعرف عنه شيئاً آخر، أخذ هذا الإنسان بالقيام بمشروع سكني يطمئن به إلى آخر حياته وحياة نجليه من بعده.
ما أشبهه اليوم بالأمس وما أبعد الشبه بينهما يعطي نصائحه التي هي بشكل أوامر على ما اعتاد من قبل أن يعطيها إلى مرءوسيه يأخذ الاستشارات التي هي ليست بشكل أوامر كما كان يتلقى ولكنها بشكل معلومات وخدمات. فهو اليوم قد أكمل مشروعه الذي استغرق سنتين من الزمن من بعدما اهتز له ألف هزة وفي كل هزة نوعان جديدان: هزة له وهزة لغيره كل ذلك ليقيم وطناً بعد هجره وسكناً بعد تشرده. أين منه ومن جاره اليوم، لقد أضاع وطنه من بعد إقامة طويلة لم يضع من أجل المال ولا من أجل الوطن لمصلحة عامة، ولكنه ضاع بسبب التجميل ليرى وجهاً أقبح مما كان عليه حيث أنه صار إلى عراء وقد كان مكتسياً وصار إلى هجره وقد كان مسكوناً وصار إلى قذارته بعدما كان نظيفاً.
جاره اليوم ليس غريباً عن كاتب هذه الأسطر إنه في شكله واسمه ولكنه ليس في قلبه الذي كان يحيا به وفي عينيه التي كان ينظر بها، لقد حمل هذا القلب ما ثقل حمله ليرزح تحته صاحبه، ورأت هذا العين ما قبح منظره لتعمى عن
المشاهدة والتطلع. جاره اليوم يراه كل صباح ويطمئن عن صحته ودوام العافية ليقول في نفسه جاء دورك اليوم وانتهى دوري فلقد أقمت بعد رحيل ورحلت بعد إقامة فلا أدري أتكون إقامتك طويلة بحيث لا يتزعزع من تحتك هذا المسكن بإرادة قاهرة كما كان لي من قبل حيث جاءت قوة داخلية باسم التجميل فسحقته، أم أنها قصيرة بحيث نبني معاً مساكن جديدة من أرض الوطن في الديار المحتلة من فلسطين العربية.
هنيئاً لك يا جار بمسكنك الجديد واطمئن على قدرتك من حمايته من العدو الخارجي ومن اللجنة الداخلية التي تسمي نفسها لجنة التنظيم والتجميل لتكتسحه وتجعله خراباً بعد عمران وحزيناً بعد فرح. هنيئاً لك يا جار وحماك من القوة الغالبة القاهرة التي تفقدك حب الأهل والوطن والإخوان إلى حين.
