العزاء كل العزاء
بقلم محمود خالد الحسامي
عرفته وهو في ريعان الشباب يجتمع إلى إخوانه ممن تجاوزوا سن الأربعين. لقد لفت نظري ذلك الشاب الذي كان يتكلم وكان لصوته رنين يدخل إلى أعماق نفوس مستمعيه فكأنه كان يعطيهم درساً في العمل والمعاملة وكأنه كان يجنبهم الوقوع في مأسي المستبدين الذين شاء الله أن يجعله أو يجعل رفاقه تحت وطأة الاستئجار للأراضي أو البساتين ليقوموا بزراعة وإنتاج محاصيلها وكانت هذه الجلسات جلسات عمل ليهتدوا إلى أفضل السبل في حل النزاع للحد من المطامع التي يواجهها المشتغلون في الأرض من قبل ماليكها.
لم يكن بيننا حديث أو سلام غير أني كنت أرمقه بنظري وكأني أقول له ما هي العلاقة بينك وبين رفاقك وأنت تبدو المعلم المتكلم وهم لا يبدون إلا في صورة المتعلم المستفيد وهم في تجاربهم لا يستطيعون أن يكونوا في مثل سنك فمن تكون؟!
ومن أين أتيت؟!
عرفته معلماً زاملته نحو سنتين فكان مثل المعلم الشهم الذي يغار على مصلحة زميله بالإضافة إلى الاهتمام بواجبه. كانت مهاراته تفوق الوصف فكان حقاً معلماً تسعى الزعامة إليه دون أن يشغل باله بها.
عرفته معلماً يقوم بالمطالبة بحق زملائه المعلمين لينصفهم ويردهم إلى حقوقهم وكان ذلك في عام 1963 عليه أن يدعم ترددهم، ويقاوم من يقف في وجه حقوقهم فكان يدأب في السهر على مطالبهم وكان لا يعرف الراحة إلا حين يكون الواجب قد استوفى والنصر قد تحقق.
لقد كافأه زملاؤه فانتخبوه رئيساً لنقابتهم. إنه بحق كان مثال المعلم الذي يتساعد مع المظلوم لينتصر من الظالم في رد حقه. لقد شاهدته مرة في جلسة من جلساته وهو يتكلم ويحاور ويسأل ويؤكد وباختصار كان يرضي الجميع وليس له إلا تأييدهم واكتساب ثقتهم.
تركته وقد استعفى من وظيفته وانصرف إلى أعماله الخاصة ولا بد أن يجعل صلة بينه وبين الماضي وهذه الصلة هي أن يكون مديراً للجمعية السكنية فيكون بذلك قد أدى خدمة من نوع جديد لمعلم احتاج إلى مسكن وكانت الشروط عنده غير متوفرة تماماً للحصول على هذا المسكن؟!
رحماك الله يا أبا الشوق فلقد تركت تلاميذك بدون أستاذهم ومحبيك بدون وجودك فقد أختطفك الموت وهو نهاية كل حي فهل أستأذن لتودع رفاقك ويسمعوا منك آخر كلمة أو موعظة أو حديث ويلقون النظرة الأخيرة لهذا المحيا الذي أثبت الصمود أمام القيام بالواجب.
