كنت وأنا صغير أقرأ التاريخ
بقلم محمود خالد الحسامي
كنت وأنا صغير أقرأ التاريخ فلا يتسع قلبي لأحداثه ولما كبرت وجدتني أقرأ تاريخ الأفراد من خلال حاصرهم فأقتبس نبذاً من حياتهم لأقيس بها الماضي
وأصور بها المستقبل. وجدت نفسي في هذا الاهتمام لما يلوح لي من دافع لمعرفة الأشخاص فاطويهم في ذاكرتي لأبحث عن غيرهم مما أجد فيهم شيئاً جديداً للمعرفة. وهكذا يتسع قلبي للحاضر فأصنف وأجعل المستقبل عنواناً للمعرفة ومن هذا الحاضر فقد أصبح عندي إطلاعاً وميلاً لاكتشاف القديم ماجاءوا به في الماضي وما يمكن أن يقوموا في المستقبل.
وجدتني أهتم بربط الحوادث وأجعل من الذكريات تاريخاً مجمداً في نفسي لأطبق ما حدث لأحدهم هل يحدث للآخر في نفس الظروف وكثيراً ما يأتي الأمر مطابقاً إذا تشابهت القدرات وا لمعرفة وتلاءم الذكاء والملامح. إن ما يتاح لي من الفرص لمعرفة الأشخاص يسنده الاهتمام بأوضاعهم، فأريد أن أتعرف على قدراتهم التي يحصلون عليها من جراء جهدهم وإرادتهم وحسن تصرفهم يدفعني إلى ذلك نمط جديد لا أجده عند غيرهم وأجد في غيرهم نمطاً آخر يدفعهم إلى التصرف على هذا النحو لحل أكبر مشكلة لهم تعترض حياتهم.
إن اهتمامي بالحاضر يجعلني لا أعرف أكثر مما عرفت وإن انشغالي في المستقبل، يجعلني لا أستبق الحوادث فأسمع من يحدثني عنها وهو يصنع ماعجز عنه وفي متناول يده إلا أنني أترك مزيداً للاهتمام فأجد أن ما يشغله في الحاضر لايدع له مجالاً للتفكير في المستقبل فلا يستطيع أن يتكلم إلا على ضوء ما تذكر أما ما سوف يحدث فإن الإفاضة به تعود إلى ما تنثره الذكريات من آلامهم فيتدفق بها على نحو بعيد من المحاكمة والمنطق.
وجدتني أقرا التاريخ لما يرتبط به الحاضر فلا أستطيع أن أسمع قصة أليمة جرت في الماضي وأنا أشاهد في عيني حادثة أليمة تفوقها في العنف والقساوه. لا أريد ان أسمعها لما تتضمنها مزيداً من التميز والتزيد وخاصة عندما تكون قديمة جرى عليها تطور وتحريف بدءاً من القصة وانتهاء إلى الراوي. فمن الضروري العناية بتاريخ الأفراد والشعوب فلهم تأثير كبير على تصنيف الحوادث فإذا ما مالت الأفراد إلى اللهو والعبث فلا يخفى ذلك أن في حياتهم سأماً وضجراً فيلتهون عن مأسيهم بهذا النوع من ضمد الجراح لأن ليس لهم حيلة في ذلك
