الكاتب المسرحي فرحان بلبل
الكاتب والمسرحي فرحان بلبل – 1937
هو ممن حمل هم المسرح و هم المواطن والوطن خلال مسيرة امتدت لأربعين عاماً وما تزال مستمرة بالعطاء كتابة وإخراجا وتدريساً .
فرحان بلبل واحد من أهم عشرة مسرحيين في العالم ( كما أعتبره مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 1995 الذي كرمّه ضمن عشرة من أهم المسرحيين في
العالم ) .
تحدر من أسرة محافظة مما جعل مسرته الفنية كمن يمشي بغابة من الخناجر , ففي الزمن المليء بالمتناقضات السياسية والاجتماعية ( 1937 ) كانت ولادته في مدينة
حمص التي تركها للدراسة إلى دمشق حيث نال إجازة في اللغة العربية ( 1960 ) لم تكن كافية للبيئة فدرس الشريعة حتى السنة الأخيرة التي رافقها بعض الظروف
الشديدة الخصوصية ليعود إلى حمص ويبدأ العمل المسرحي بمسرحية ( الجدران القرمزية ) التي أخرجها المصري محمود حمدي وعرضت للمرة الأولى عام 1968 في دار سينما الزهراء بحمص
( العيون ذات الاتساع الضيق ) كانت الخطوة التالية وعليها نال أولى جوائزه المسرحية إثر اشتراكه بها في مهرجان الهواة الأول في سورية ونال عليها جائزة (أفضل نص).
في عام 1972 أخرج أولى مسرحياته ( الحفلة دارت في الحارة ) وكانت دافعاً قوياً لتشكيل فرقة المسرح العمالي في العام 1973 .
قدم في هذه الفرقة عدداً من مسرحياته بإخراجه مثل (الممثلون يتراشقون الحجارة – العشاق لا يفشلون – لا تنظر من ثقب الباب – القرى تصعد إلى القمر – يا حاضر يا
زمان – العيون ذات الاتساع الضيق – لا ترهب حد السيف – طاقية الإخفاء – الصخرة ولحفرة). كما أخرج لها عدداً من المسرحيات العربية والأجنبية. وبلغ مجموع ما أخرجه لها 31 عملاً مسرحياً منذ إنشائها حتى عام 2002 .
سيريا نيوز التقته في منزله الذي يكاد أن يكون متحفاً للمسرح فأين نظرت حولك تجد شهادة تقدير أو ملصق لعرض مسرحي أو درع تكريم .
(أعمالي بأنها تُمسِك بخناق المتفرج فلا تتركه حتى انتهاء العرض )
* قلت ذات يوم إنك صاحب منهج يسعى لترسيخ أصول المسرح عند العرب. بعد تجربتك الطويلة جداً مع المسرح، هل وُفِّقت لذلك؟ وإلى أي حد؟
* ترسيخ أصول المسرح عند العرب كان واحداً من أخطر وأهم الهموم المسرحية التي واجهها المسرحيون العرب منذ نشأة المسرح عندهم حتى اليوم. فهذا الفن الجديد الطارئ الذي (قلَّدوه) منذ أكثر من قرن ونصف قرن، مازال يبدو غريباً في التربة العربية رغم كل ما أنجزه المسرحيون العرب في ميدانه. وكان سبيلُهم إلى غرسه في ثقافتهم وتراثهم يتلخص في أمرين: أولهما أن يعالج شؤون الحياة في كل مرحلة من مراحله. وثانيهما أن يجعلوه محبباً إليهم. ومع اتفاق جميع المسرحيين حول هذين الأمرين فقد اختلفوا أشد الاختلاف في طرائقهم لتحقيق هذين الأمرين. وكان ذلك نعمة وبركة على المسرح العربي لأنه بدا شديد التنوع وكثير التجارب مما خلق له تراثاً كبيراً وهاماً خلال هذه المدة القصيرة من عمره. ولتحقيق ترسيخ المسرح عندنا انتهجتُ أسلوباً محدداً في إنجاز الكتابة الدرامية والعمل المسرحي يمكن تحديد أبرز خصائصه بما يلي:
– كتابة وتقديم النص المسرحي القوي في بنيته الدرامية مع الانتباه إلى تعدُّد أساليب ومدارس الكتابة الدرامية. وسبب الاهتمام بهذا الجانب يعود إلى أن أول مهام المسرح العربي أن يقوم على نصوص قوية هي التي تدخل ميدان الأدب المسرحي من ناحية، وتترك تراثاً مسرحياً تتوارثه الأجيال فتستفيد منه وتبني تراثها الجديد استناداً إليه.
– تقديم العرض المسرحي المشوِّق المثير لتلهف الجمهور واستغراقه فيه. ومن هنا وصف الكثيرون أعمالي بأنها تُمسِك بخناق المتفرج فلا تتركه حتى انتهاء العرض.
وهذه القاعدة أراها أهم قواعد العمل المسرحي. فالمسرح أولاً وآخِراً متعة يقصدها المتفرج لذاتها. فإذا تحققت أمكن لكل الأفكار التي يتضمنها العمل
المسرحي أن تنفذ إلى عقله وقلبه. ومن دون المتعة يتحول العمل المسرحي إلى عبء ثقيل يتمنى المتفرج الخلاص منه.
– لتحقيق العرض المسرحي الممتع لجأت إلى دراسة (الذائقة الجمالية العربية). فالإنسان يحب الأشياء الجميلة. ومفهوم الجمال نسبي لا عند كل أمة من الأمم
فحسب، بل وعند الأمة الواحدة في كل عصر من عصورها. ومن هنا كنت أحاول دائماً تقديم العرض الذي يخاطب المتفرج العربي في أخص خصائص مفهومه عن الجمال الذي يثير عقله .
و أول هذه الخصائص تلك القاعدة الذهبية عند العرب وهي (البلاغة الإيجاز). ففي العرض المسرحي الذي أبنيه لا أتريَّث في تصاعد الحدث المسرحي ولا أزيد من كمية الأفعال والأقوال التي تجعل العمل المسرحي مترهلاً أو متباطئاً. بل يسير الحدث المسرحي في تصاعد مستمر ومتوازن يخلق اللهفة عند المتفرج لمتابعته.
ثاني هذه الخصائص أن لكل نص مسرحي شكلاً فنياً صاغه الكاتب فيه. ومهمة المخرج أن يدرك خصائص هذا النص وأن يخلق له أشكاله التي تناسبه. وبهذه الطريقة تنكشف آفاق النص المسرحي ويبدو على حقيقته الجمالية والفكرية. وفي كل نص أخرجته كنت أقف طويلاً عند كل كلمة وجملة وموقف حتى أدرك الأبعاد الظاهرة والخفية لنص الكاتب حتى أُبرِز جوهره الفكري والجمالي. فإذا كان النص من كتابتي كنت أتناسى أنني صاحبه. ثم أعامله معاملة النص الغريب عني.
ثالث هذه الخصائص أنني كنت أمزج بين المدارس التي تعلمناها عن الإخراج والتمثيل. وكان هذا المزج أو الخلط مثاراً للنقد العنيف الذي وُجِّه إلي طوال الأعوام الأربعين التي مضت. فقد كان النقاد والمسرحيون يتهمونني – واتهامهم صحيح – بأنني أخلط بين المناهج، وأن هذه المناهج قد تكون متناقضة. لكنهم جميعاً كانوا يقرون بأن العمل المسرحي الناتج عن هذا الخلط والمزج كان متماسكاً ومنسجماً مع بعضه البعض. ومنطلقي في هذا أنني تعلمنا فن المسرح من الغرب. كننا لسنا مُلزَمين بتقليده. بل إن علينا أن نتمثَّله لكي نعيد صياغة قواعده حسبما نراه مناسباً لنا. وأعترف أنني كنت أقوم بهذا المزج والخلط بشجاعة دون أن أتأثر بالاعتراضات مادام المتفرج يتقبل ويُسَرُّ بما أفعل.
رابع هذه الخصائص أن يأتي العمل المسرحي سوري الملامح عربي السمات. وذلك بتقديم (الإيماءة المحلية). وهذه الإيماءة المحلية هي جوهر المسرح. ودليل ذلك أنك ترى عرضاً لنص إنكليزي مثلاً من قبل فرقة روسية وأخرى فرنسية وثالثة إنكليزية. ومع أن النص واحد فإنك تدرك مباشرة ودون أن تسمع الكلام بأن هذا العرض روسي وذاك فرنسي وذلك إنكليزي. وأعترف أيضاً أنني كنت حريصاً على هذه الإيماءة المحلية حتى في النصوص الأجنبية. وكثيراً ما كنت تسمع المتفرجين يقولون: (هكذا يفعل ابني أو أخي أو صديقي في الحياة). وهذه الإيماءة المحلية هي ملح المسرح وسلك التواصل بين العرض والمتفرج.
خامس هذه الخصائص وأهمها أن ينصب العمل المسرحي في هموم المواطن العربي سواء كان النص من تأليفي أو من تأليف كاتب عربي أو من تأليف كاتب عربي. فالغاية الأساسية عندي ليس تقديم المسرح بل المشاركة في بناء المستقبل المشرق للعرب. وأدت هذه القاعدة إلى كثير من الشحناء والتأييد بيننا وبين الجمهور. فكان العرض المسرحي في نهاية المطاف يتحول إلى ميدان صراع فكري بقدر ما هو شكل فني.
هذا المنهج الذي سرت عليه منذ البداية حتى اليوم حافظت على جوهره. وكنت أبدِّل باستمرار في أساليبه. فما كان صالحاً وجديداً منذ عشرين عاماً صار قديماً
وبالياً الآن. ومن خلال ثبات الأهداف والأصول وتغير الأساليب عبرت بفرقة المسرح العمالي هذه الأعوام التي مضت منذ عام 1973 حتى اليوم. أما هل نجحتُ في ذلك أم لا، فالجواب عند الجمهور الذي رافقنا طوال هذه الرحلة الطويلة.
(النشاط المسرحي في مدينة حمص لا يختلف عن النشاط المسرحي في سورية )
* أنت تقول: (المسرح عندي هو اتصال بالجمهور وقضايا الناس وهمومهم. إلى أي جد استطعت – كرجل مسرح – أن تكون مع الناس وقضاياهم؟ وهل استطاع المسرح السوري خلق جمهور مسرحي متفاعل؟ وهل استطاع المسرح الحمصي خلق هذا الجمهور في مدينته؟
* يوم عرضنا مسرحية (الجدران القرمزية) عام 1979 وهي من تأليفي وإخراج المخرج المصري المرحوم محمود حمدي باسم نادي دوحة الميماس، لقيت المسرحية إقبالاً كثيفاً في سينما الزهراء وهي سينما الكندي اليوم. وظلت المدينة عدة أسابيع تتذاكر أحداث وفكر المسرحية ويتشاحن أهلها حول ما قدمته المسرحية. من يومها أدركت سر العلاقة مع الجمهور وهو أن تصادمه في مشاكله وقضاياه. فلا هوادة مع عرض الحياة ووقائعها وطموحاتها وموقف الناس منها. شريطة أن تحترم عقل الجمهور وذكاءه. أي: عامِل الناس بقسوة ولكن باحترام. وما تزال الفرقة حتى اليوم تحاول أن تقيم هذه العلاقة الحميمة مع الجمهور وأن تتفاعل معه. لكن الحال اليوم غير الحال قبل عشرة أعوام.
فالمسرح اليوم في سورية وفي الوطن العربي بشكل عام لم يعد فناً يُقبِل عليه الناس كما كانوا يفعلون من قبل. ولذلك أسباب كثيرة ليس الآن موضع ذكرها. لكني أذكر أهم واحد منها وهو أن المواطن العربي يائس مخذول في ظل الأنظمة العربية الحاكمة التي قتلت أحلامه الكبرى التي كانت له في سبعينات وثمانينات القرن العشرين. فكأنه لم يعد يحركه شيء. فلا الاحتلال الأمريكي للعراق يثيره إلا في حدود الغضب المكبوت العاجز، ولا النصر الكبير لحزب اللـه في لبنان صيفَ العام الماضي يُحركه إلا في الفرح الخفي المستكين. وفي حالة كهذه ينكفئ الناس إلى أنفسهم وهم يسعَوْن بشقِّ النفس لتحصيل لقمة عيشهم. ومن هنا ترى صالات المسرح لا يكاد يحتشد فيها إلا نخبة مثقفة تمارس هواية حضور المسرحيات من قبيل متابعة فن ينتمي إلى النشاط الثقافي أكثر مما ينتمي إلى مصارعة الحياة. وبهذا المعنى نقول إن المسرح السوري والعربي خسر ما بناه في علاقته المتطورة مع جمهوره. وعليه أن يفتش أن وسائل تعيد إليه ما فقده. رغم ذلك كله ورغم تراجع جمهور فرقة المسرح العمالي بحمص فإنها ما تزال تحظى بأكبر جمهور بالمقارنة مع غيرها من الفرق المسرحية. ولعل لها من تاريخها ومن ثباتها على مواقفها الفكرية وتطوير أدواتها الفنية ما يجعلها تدرس واقع الجمهور وتحاول أن تقدم له ما يثيره ويحركه مما يتناسب مع همومه اليوم.
والنشاط المسرحي في مدينة حمص لا يختلف عن النشاط المسرحي في سورية. إلا أنه اليوم قاصر عاجز. فقد توقفت أكثر فرقه المسرحية. وما بقي منها ليس قادراً على الاستمرار. فلا يكاد تجمعٌ مسرحي يقوم حتى يقدم عملاً واحداً ثم ينفرط عقده.
لكن حمص اليوم – على غرار المدن السورية الأخرى – تشهد نشاطاً في ميدان مسرح الطفل. وهذا المسرح – على غرار مسرح الطفل في سورية أيضاً -تجاري محض. فهو يقوم على تلفيق عرض مسرحي ما. وهذا العرض ليس له علاقة بالمسرح ولا بالطفولة. وكل الغاية منه أن يسرق أصحابه أموالَ الأطفال الذين يسارع آباؤهم إلى تلبية رغباتهم في حضور المسرح. وأعتقد أن مسؤولية كبيرة تقع على عاتق المسؤولين في المحافظة لتراجع المسرح بشكل عام ونشأة تجارة مسرح الطفل بشكل خاص. فهم لا يساعدون الفرق المسرحية على النهوض والتطور من ناحية، ويسمحون لتجارة مسرح الطفل أن تنشط من ناحية ثانية. وإذا تحرك هؤلاء المسؤولون في مدينة حمص لمعالجة هذه الحالة فأنا جاهز لعرض ما يتيح للنشاط المسرحي فيها أن يعود إلى سابق عهده.
ولكنني أظن أنهم – شأنهم شأن المسؤولين في بقية المحافظات السورية – غير مهتمين بهذا الجانب الثقافي الإنساني في محافظاتهم. وأسباب عدم الاهتمام هذا يعرفه المواطن الذي يعيش في ظل تحكم رأس المال الطفيلي الناهب المدمر الذي يستشري في سورية.
(ما نزال نقدم عملنا المسرحي مجاناً دون أن نتقاضى أجوراً عليه )
* نجحت تجربة (فرقة المسرح العمالي بحمص) في حين تعثرت كل الفرق المسرحية العمالية في سورية. ما هو السر في رأيك وأنت من أطلق المسرح العمالي في سورية؟
* أحب أن أذكر في البداية أن سورية هي الرائدة في المسرح العمالي في الوطن العربي. وقد حاولت المنظمات العمالية في بعض البلدان العربية إنشاء مثل هذا النوع من المسرح تأسيساً على تجربة المسرح السوري. لكنها لم تستطع لسببٍ اكتشفته في السنوات الأخيرة وبعد لقاءات مع بعض المسرحيين العرب، وهو أن الفرق التي أُزمِع إنشاؤها حوصرت منذ البداية بخطوط حمراء لا تستطيع تجاوزها. وذلك على عكس المسرح العمالي السوري الذي أتيح له من الحرية الفكرية ما لم يُتَح في بعض الأحيان لغيره من الفرق المسرحية في سورية نفسها. صحيح أنه كانت لنا خطوط حمراء إن تجاوزناها وقعنا في المحظور، كما حدث معنا في مسرحية (جوهر القضية)
عام 1976ومسرحية (طاقية الإخفاء) عام 1987، إلا أن المسيرة العامة لفرقتنا المسرحية تنبئ عن هامش واسع من الحرية. وذلك لسبب جوهري جداً هو أن الطبقة العاملة في سورية مرت في مرحلة كانت فيها مساهِمة فعالة في صياغة القرار السياسي والاقتصادي. فكانت تتمتع بقوة تحمي بها مسرحها الذي كان يعارض – في قليل أو كثير -سياسة الدولة الاقتصادية وما يتبع ذلك من معارضة في قيادة شؤون الحياة. وعلى الرغم من أن الطبقة العاملة جُرِّدت في العقدين الماضيين من كثير من قدرتها على صياغة القرار السياسي والاقتصادي، فإنها ما تزال تتمتع بقسط معقول يعطيها فسحة في القول على المسرح. ودليل ذلك أننا قدمنا عام 2006
مونودراما الجدار وهي من تأليفي وإخراجي وتمثيل الفنان عبد القادر الحبال. وفي هذه المسرحية قلنا ما لا يمكن لغيرنا أن يقوله. وكان اتحاد عمال حمص من ورائنا يحمينا ويساعدنا في الترحال لعرض المسرحية حيث يمكن أن نعرضها. ونعود إلى سؤالك: لماذا استمرت فرقة المسرح العمالي بحمص طوال أكثر من ثلث قرن في حين لم تستطع بقية الفرق العمالية أن تعيش اكثر من بضع سنوات على أقصى تقدير؟
والجواب هو أن لبقائها واستمرارها عوامل متعددة.
أول هذه العوامل وضوح المهمة والهدف. فمنذ تأسيس الفرقة عام 1973 وضعنا لأنفسنا هدفاً واضحاً هو (خدمة فكر الطبقة العاملة). وهذا الفكر يسعى إلى خدمة الإنسان في دفاعه عن كرامته الوطنية والاجتماعية والفكرية. ويعني ذلك بالضرورة الدفاعَ عن المستغَلين في وجه المستغِلين وما يتبع ذلك من فضح كل صنوف القهر الاجتماعي والسياسي.
هذا الهدف كان يعني أن نستمد نصوصنا من كل التراث الإنساني الذي وقف مع الإنسان عبر التاريخ. وهذا يعني أن وضوح المهمة والهدف جعلنا ذوي أفق واسع يحتوي جميع التجارب المسرحية والأساليب الفنية. وهذا بدوره أعطى الفرقة غنىً في الأشكال الفنية جعلها قادرة على إمتاع الجمهور وتقديم الفائدة له في آن واحد. وهذا الهدف الواضح حدد طبيعة الأعضاء المنتسبين إليها. فمن كان يؤمن بهذا الفكر يمكن أن يعيش بيننا. ومن لا يقبله فإنه لا يجد مكاناً له بيننا. وأدى ذلك إلى (انسجام) داخلي عميق بين أعضاء الفرقة. ولا يعني ذلك أننا لا نختلف ولا نتناقض ولا يعارض بعضُنا بعضاً. لكن الخلاف والتناقض والتعارض يكون في الأشكال والوسائل التي تحقق أهدافنا الفكرية الواضحة. وأدى ذلك أيضاً إلى تحقيق الانسجام بيننا وبين اتحاد عمال حمص طوال مدة ثلث القرن الذي مضى. حتى عندما يأتي مكتب تنفيذي لا يرى في توجه الفرقة ما يناسب بعض أعضائه، فإن استمرار الفرقة واحترام الناس لها كانا يمنعانه عن الوقوف في وجهها وإن استطاع أحياناً
أن يؤثر على انطلاقها.
ثاني هذه العوامل أننا لم نكن فرقة تجارية تسعى وراء الربح المادي من المسرح. أي أننا ما نزال نقدم عملنا المسرحي مجاناً دون أن نتقاضى أجوراً عليه. وكان ذلك يعني أن إعداد العرض المسرحي
– واتحاد عمال حمص يتكفل بجميع النفقات – كان يضع في اعتباره شروط العمل المسرحي الناجح في عرض أفكاره ومواقفه ولا يضع في اعتباره كيفية تحقيق الأرباح.
وبذلك كان (الفن) العنصر الأساسي في تكوين العروض المسرحية. حتى عندما نقدم مسرحية للأطفال – وفرقتنا رائدة في ميدان مسرح الطفل في سورية – لم نضع في اعتبارنا استغلال الأطفال لاستدرار ما في جيوبهم.
ثالث هذه العوامل انضباطٌ إداري صارم يحكمه نظام داخلي وضعناه لأنفسنا. وفي هذا النظام يحاسَب الجميع بدرجة واحدة من القسوة. فأنا مثلاً أو أي شخص من مؤسسي الفرقة قابل للنقد الصارم مثله في ذلك مثل عضو انتسب إلى الفرقة منذ أيام.
هذا الانضباط الذي يقف على رأسه مدير الفرقة ومجلس الإدارة جعل الفرقة كلها تشارك في إقرار النصوص ووضع مجمل حركتها وتحركاتها.
ومجموع ذلك كله يعني أن أعضاء الفرقة من نوع الناس المتبرعين بعملهم للمسرح وأهدافه النبيلة. فمن أين تأتي بأمثال هؤلاء؟ وهل يتوفر في كل مدينة فريق مسرحي يضع لنفسه هذه القيود الصارمة ويلتزم بها باستمرار؟ أظن أن سؤالي هذا يجيبك على سؤالك حول عدم نشوء فرق مسرحية عمالية أخرى في سورية.
(أنا كاتب ومخرج صنعتني فرقة المسرح العمالي بحمص)
* هل يعتقد فرحان بلبل أنه نال ما يستحقه من التكريم عربياً ومحلياً (على مستوى القطر والمدينة)؟ وما هي التكريمات التي نلتها؟
* أعتقد أني نلت من التكريم أكثر مما أستحق. وهذا يدل على صحة قول الشاعر:
من يفعلِ الخير لا يعدم جَوازِيَه لا يذهب الـعُـرفُ بين اللـه والناسِ
وكان أول تكريم لي عام 1995 في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته السادسة مع تسعة آخرين من أهم المسرحيين في العالم.
ثم كرمتني مدينة حلب من خلال مديرية الثقافة فيها عام 1997.
ثم كرمني اتحاد الكتاب العرب ضمن جمعية المسرح. وقد تولى فرع حمص والصديق الشاعر ممدوح السكاف رئيس الفرع تنظيم ندوة خاصة في هذا الشأن عام 2001.
ثم كرمتني نقابة الفنانين – فرع حمص في مهرجان حمص المسرحي السادس عشر عام 2003 ثم كرَّمتني وزارة الثقافة في سورية عام 2004 ضمن مهرجان دمشق للفنون المسرحية الثاني عشر.
ثم كرمني اتحاد عمال حمص عام 2006 ضمن احتفاله بالذكرى الثالثة والثلاثين لتأسيس فرقة المسرح العمالي.
وأخيراً كرمتني مدينة الحسكة السورية ضمن مهرجان ثقافي عام 2006. وأرد الفضل في كل هذه التكريمات إلى أمرين:
أولهما فرقة المسرح العمالي التي رافقتها خلال ثلث قرن. فكانت متكاتفة في كل الأعمال المسرحية التي كتبتها وأخرجتها. وكنت أقول دائماً (أنا كاتب ومخرج صنعتني فرقة المسرح العمالي بحمص).
وثانيهما الجمهور الكريم في حمص وعلى امتداد الأرض السورية. فقد وقف الجمهور مع أعمالنا مشاهداً ومناقشاً ومتأثراً بما نقدمه ومؤثراً على ما نقدمه. فأعطى الفرقة مكانتها السورية والعربية





















