رجعت إلى السنين البعيدة
بقلم محمود خالد الحسامي
رجعت إلى السنين البعيدة يوم كنت طالباً ألمح من بعد ما يروق لي وما لا يروق وليس البعد مسافة في المكان ولا في الزمان فالمكان واحد وهو المدرسة والزمان واحد وهو الجيل الذي نتعايش فيه مع الإخوان والأحباب.
كان ذلك إلى عهد بعيد أحب فيه أن أكون متعلماً لا عالماً أحب المجتهدين وأصغي إلى حديثهم وكلامهم، كان العلم في أثناء ذلك يحظى بالاهتمام الذي يتميز به الفرد عن شبيهه الذي يعجب بالمطالع الذي يستمر في القراءة وينتقل بقراءته من كتاب لآخر ولا سيما إذا كان الكتاب باللغة الأجنبية وقارؤه قد انتهى منه في فترة لا تزيد عن ثلاثة أيام وبكل شوق ولهفة.
كان هذا القارئ الطالب المتفوق منذ طفولته وحتى اليوم وقد شاب وأصبح من الرجال الذين أعدتهم الحياة ليكونوا علماً بارزاً في الرأي والتأليف والترجمة والأخذ بتطلعاتهم إلى المستقبل البعيد في شؤون وطنهم وأمتهم.
إن هذا المخلوق القادر على بذل الكثير من معلوماته في إفادة الجيل الجديد هو اليوم أمامي وعلى شاشة التلفزيون يُسأل ويُجيب وذلك في لمحة موجزة من كتبه ولو أن الوقت قصير والسؤال يتطلب الكثير من دقته إلا أن المؤلف استطاع أن يحتوي المقصود والهدف وإن النتيجة: لماذا تخلف العرب عن الغرب وما هي الأسباب التي حدا بهم إلى ذلك رغم التراث الأصيل لهم في المجد والنصر والسيادة، ما هي العناصر التي كونتهم لو تخلوا عن بعضها لاستطاعوا أن يعودوا بالمجد الذي أفل والنصر الذي سبقهم والسيادة التي لم تعد بحوزتهم.
لقد عوّل المؤلف على الآراء الكثيرة التي قيلت بصدد هذا الموضوع وخاصة في كتب الغرب ومن هذه الآراء الأنانية التي أحكمت أطرافها فقيدت ذكاءهم بما جعلتهم يتأخرون وهم السباقون والمقلدون وهم المبدعون والمفكرون والفلاسفة.
من يكن هذا القارئ والكاتب والمؤلف والمتحدث والصورة التي إن غابت عن عيني زمناً طويلاً فإنها لن تغيب بسبب ما كان لها من هدوء في الشباب وصمت مع الرفاق وابتسامة مع المتكلمين.
إنه الأستاذ عبد الله عبد الدايم الذي أفاد منه المجتمع العربي بما شغل من مناصب وألحق به من مهمات كل ذلك زاده اطلاعاً وقدرة على الحديث والتحدث بما طلب منه الكلام. إن في شبابه لغزاً يجعلني أبحث عنه لأستهدي بمواهبه عن شخصيته.
لقد كانا رفيقين متلازمين فترة وجودهما في التحصيل الثانوي ولقد تفوقا وأبدعا في دراستهما واطلاعهما، فأما الأول فقد فقدناه لأمد بعيد ولكن كتبه ومؤلفاته وآثاره تجعلنا نحيا به من جديد كما أنه لم يمت ولا شك أنهما تقاربا في القراءة والدراسة والتحصيل والشهادة والاختصاص.
والسؤال الذي أطرحه الآن هو أن الأول يقرأ الكتاب المراد مطالعته وتلخيصه ودراسته ليعطيه لرفيقه وصديقه فتكون المبادرة منه والمتقدم أم أن القارئ الحقيقي هو الثاني فيفيده بالمعلومات الواردة من الكتاب فيشجعه على مطالعته فيكون المقتدي ويكون السابق هو الهادي والمهتدي.
إن ذكراه ليحيا عندما تعلم أن المحاضر سيلقى محاضرته في قاعة سامي الدروبي بحمص فتعود صورته أمامك وهي التي كانت إلى جانب رفيقتها « عبد الله عبد الدايم » تلازمه بالمباحثة والتحليل والاصطحاب في الرواح والمجيء.
هما اثنان يحيا في قلبي بمحبتهما الزائدة للعلم والتعليم والبذل والعطاء في مضمارهما فما أخذته من أحدهما من بديع القول وجمال الفكرة كنت أمعن النظر لأراه في الثاني وقد تبينت ذلك لأني رأيت الواحد منهما يتكلم ويصغي الآخر لقوله والبحث وتبادل الرأي كان يجري بكل هدوء ومودة.
