إن الذي جعلك محبوباً
بقلم محمود خالد الحسامي
إن الذي جعلك محبوباً عندي هو الذي جعلني أصفك وجعلك تنقاد حقاً إلى الترجمة السيئة ينقلها الضاحك منك والعابث بأمانة القارئ فكيف يجتمع ما أريده لك من خير وما تسمعه من وصف لا يرضيك وكيف تريدني أن أرى الأشياء والأشخاص وكأنها منفصلة عن صانعها وما هي الطريقة التي تجعلك واعياً للكلام وأنت في
زحمة من هواجسك؟
إن ذكر الشيء ليدل على العين البصيرة التي تراه وأن إمساك اللسان عنه ليدل أيضاً على انشغالها عما تراه ولو مدحتك دائماً لكنت ترى نفسك الإنسان الذي لا يخطئ ولو تعرضت حيناً لبعض المساوئ فإنني ولا شك أضعك في مرتبة الإنسان لتصل إلى سمو الملائكة أقل شيء يوصف به الإنسان ولا يرضى عنه هو الفوضى وأعظم تقدير يمنح له ولا يهتم به هو « التنظيم » فما تذكر الفوضى إلا ليأتي بعدها التنظيم، وليس في التنظيم قولاً إلا إذا كان فيه شيء جديد مبدع يتخطى حدود المعقول، فأنت من أي الناس تريد أن تكون وأنا من أيهم أقف معك؟
إذا كان الوصف جميلاً بحقك فهل يصل علم ذلك إليك وتصدقني وأنت تعرف حقيقة نفسك وإذا كان الوصف سيئاً فكن متأكداً أنه لو أريد به إرادة لذاته لما وصل علمه إليك فهل تريدني أن تكون الكراهية في نفسي لك وإنك لا تفارقني وإني أراك صباح مساء وإننا للكلام ملازمان.
إن الذي أراد لك هذه الترجمة السيئة إنسان كان يعلم أنه صانع خير لك وأنه أراد أن يوحي بمعرفة بباطن الأمور بالدلالة على إعجابه بنفسه ولو أنه صالح لك كل الصلاح لما جعلك تثور في وقت تحتاج فيه إلى الراحة ولكان استمع إلى كاتب هذه الكلمات ليدرك سراً من ورائها قد غاب عنه، فللكاتب الحق بان يجعل كلماته حيناً تدور في دوران الذم وهي بقصد المدح وقرينته من ذلك صدقه للرواية وإنصافه للحق وجعل اللوم عليه داعياً للإشفاق بدلاً من الحساب العسير.
إن الذي أراد لك ذلك كان من حقه أن يكون أميناً على ما أؤتمن له وقد ادعى لنفسه الأمانة لك في حسن التفسير والمغزى أفما كان أولى به حفظه للوصية التي فرط بها ادعاءاً منه وزعماً أن الحق يحق أن يجهر به وأن الباطل من الضروري البوح به.
إنني أردت بكل ذلك تنبهك إلى أشياء تجري تحت سمعك وبصرك ومن هذه الأشياء تحديد الصلاحية وعدم تجاوزها سواء لك أو لغيرك فليست صلاحيتك أن تحمل أعباء ومسؤوليات ما أنت به غير مكفل على قدرة منك باستعدادك لكل هذه الواجبات كما ليس من صلاحيات غيرك أن يكون كل شيء وهو في عمله ومهنته
محدود المهمة.
لقد سمعت منك قول الحق فهو يلفظ في باطن نفسك وسمعت منك قول الباطل فهو يلفظ في ظاهرها ولقد يصرخ الحق من باطنك حيناً لتسمعه الآذان أما باطلك فيجري على لسانك وكأنه دعابة لم يرد لذاته وإنما أريد للحق الذي يختنق في
أعماق نفسك.
إن الذي جعلك محبوباً عندي هو ارتباكك بحيث يدل على زحمة الأعمال وهل لمرتبك كثرت لديه الأمور إلا أن يحتار فيها فلا يستكمل نقصها إلا بعد فوات وإذا جدت إليه وازدحمت فعليه أن يأخذ بكل منها على طرف ثم ينتقل بعدها إلى الطرف الثاني والثالث لنأتي إلى النهاية.
لك من ترجمانك أذن واعية وليكن من موضوعها أيضاً لسان يقرأ فإذا ما صدقك الترجمان كذبك اللسان وإذا ما كذبك اللسان جعلت ما بينك وبين الترجمان حبلاً طويلاً إذا وصله قطعته وإذا تركه على حاله عدت به إلى وضعه الحقيقي من الطول فلا يستطيع أن يمد به وصله ولا يستطيع أن يقفز عليه ليلعب لعبة الساخر.
