حديقة داري
بقلم محمود خالد الحسامي
ليست حديقة داري اليوم كما هي بالأمس، لقد تحول فيها كل شيء حتى ترابها، فبينما كانت بالأمس تعج بالنظرات المصوبات نحوها ترى فيها كل شيء ممتع إذ بها اليوم تتحول عنها كلياً لأنك ترى فيها كل سواد حزين.
لبست الحداد لأنها فقدت شجراتها التي كانت تزهو بها، فأصبحت مقفرة تعبث فيها ذرات الغبار، إن شجراتها التي كبرت وأثمرت وحان قطافها قد أصبحت عصياً تهز الجدران الثابتة المرتكزة لتجعلها تقلق من بعد اطمئنان.
كنت أجلس فيها أمتع النظر بجمالها لأنسى ما كان يزعجني من زحمة التفكير واضطراب النفس، كنت أجلس فيها دون أن أعلم أن مصيرها سيكون على هذا الحال وإن مقاعدها التي كانت من خشب السنديان القوي تتباهى بعظمته أصبحت اليوم من خشب الصفصاف الطري اللين.
كنت أستمع إلى تغريد بلابلها الجميلة فتأتيني نشوة الفرح والابتهاج وأغرق في جو المحبة والحنان فأصبحت اليوم أسمع فيها نفخات وبحات وصيحات توقظني من غفوة النوم اللذيذ الهادىء إلى يقظة أستطلع معها مصدر هذه الأصوات لأطمئن على سلامتي من شرها وإزعاجها.
ما الذي غير بك يا حديقة وجعلك قاسية لا تصلحين للجلوس ولا للرؤية ولا للصفاء وأصبح كل شيء فيك يدعو إلى الأسف والحزن. وما هي إلا لحظات حتى جاءني نعاس شديد أفاقتني منه دقات الساعة للقيام والنهوض إلى العمل، فخلعت على الفور كل ما يذهب نشاطي ويغطني في أعماق نفسي وتفكيري وارتديت ثياب العمل لأنسى هنيهات ما أنا فيه من استغراق تام لأستقبل مجموعة من زهرات اليوم لا تدري ماذا يصنع
لها المستقبل.
رجعت مساء إلى مقري في حديقة داري ورسمت مخططاً جديداً لها لأقلبها من فسحة سماوية إلى بناء جديد من مجموعة الأبطال يجدون طعم الحياة في مذاق النصر أو الموت. قلت عندها لنفسي: إن الحديقة الحقيقية الجميلة وأشجارها الخضراء المزهوة ومقاعدها الوثيرة الناعمة هي في الإنسان وقلبه الكبير وفي صموده للنائبات حتى يتحقق له ما يريد من نصر وسعادة وإرادة.
حمص 2/10/67