الحياة
بقلم محمود خالد الحسامي
الحياة بين أن تسمع الأصوات وتستحسنها أو تستنكرها وبين أن ترى الأشخاص والمناظر فتستلهم وحيك أو تستدبر الحي فتشغل بعقلك وجسمك في تصريفها كما تحب أن تكون أو كما يحب وجودها أن تتصرف.
فقد يكون الإنسان مطرقاً يفتكر في حاجة إلى الراحة فيسمع صوت الواجب يخرج من نداءات الأطفال في ترديدهم للأغاني المطربة فيتحرك قلبه وتعود الراحة إلى العمل، وهنا سمع الأصوات فأستحسنها ملأت الجو بالهتاف يدعو المستريح
فقام ليعمل.
وقد يكون الإنسان منتظماً في عمله لا يحب أن يلهه عنه أي شاغل فيسمع في أذنه نغمات منكرة كأن تكون صرخة من ناعق وآهة من محزون فتستولي عليه الدهشة ولا يتمالك أن يحتمل نفسه مطمئناً بين قلق، وفرحاً بين كئيب وهنا استنكر ما سمعه فامتلأ الجو بالغضب فراح ليهدأ غضبه وضاعت الفرصة منه في اجتذاب العمل إليه فاستراح ليجدد هذه الجاذبية.
وقد يكون الإنسان في عمله متطلعاً إلى نجاح السير في تنظيمه فيفاجأ بأشخاص ليس لهم طبيعة مستحسنة من حيث السلوك والتصرف واللياقة قد وجدوا أمامه وليس لهم حاجة عنده وقد استقبلهم وليس له مهرب منهم فإذا ما بدلنا هؤلاء الأشخاص بالمتجانسين في الذوق والمحبة كانت الفرصة سعيدة للدقة في العمل على نحو ينسى به نفسه ووجوده إلا ما كان من تسييره وحسن إنتاجه، فهنا كان الإبداع منتظماً لم يعطل وانعكاس الملاءمة جاءت للتحديد من هذا الإبداع.
فمن كانت حياته تتطلب منه أن يعمل أكثر ما يقول وكان حبه للعمل أكثر منه للقول فإن فكره يأتي من وراء نظره أكثر منه من وراء سمعه وإن سمعه يأتي من وراء تهيئة الفرصة للبدء بعمل جديد بينما تكون متطلباته قد اكتملت ولذلك تراه منشغل الفكر عما يسمع ويقظ الإحساس عما يرى…
أما إذا كانت حياته قد أعدت للعمل وليس له شاغلاً غيره فإن القول عنده ليس له أي معنى إذا لم يكن دالاً على حقيقة وجوده فإذا كان العمل حسابياً في الأرقام فإن الذاكرة تتوقف عند حدود الألفاظ بحيث لا تتجاوزها إلى الشرح والتأويل ولا إلى المماثلة والتشبيه ولا إلى الماضي القريب أو البعيد ولا إلى حوادث الزمان والمكان.
ومن كانت حياته في المقابلات الكثيرة لمواضيع مختلفة فإن عقله يتطلب جهداً في المحاكمة والحكم على نفسه من خلال حاجة الأشخاص والحكم عليهم من خلال تفهمهم للقول ووجود المشكلة.
أما من كانت حياته محدودة في الأشخاص الذين لا يتجاوزون أصابع اليد عداً فهو على استمرار معهم وهم على استمرار في الاحتكاك معه فإن ضرباً من التقييد أو الانطلاق ومن المعرفة أو الجهل ومن الانشغال العقلي أو النفسي أو الجسمي يكون سائداً في جو العلاقات.
ومن كانت حياته في جو الآلة يضبطها ويعمل في خدمتها فإن الأصوات التي تدوي في أذنه من الخارج مهما كانت قوية فليس عنده مفهوم لها إلا ضمن كلمات الإصلاح أو الخطأ، العرقلة أو النجاح الإنتاج أو العطالة، الربح أو الخسارة.
ومن كانت حياته في التصوير لدى رؤية المناظر ولدى مشاهدته للجمالات فإن كان تصويره شعرياً فهو قد سما بالخيال، وإن كان تصويره رسماً فهو قد سما بملاحظة العالم الخارجي على نحو من الاعتناء بالشكل أكثر منه بالمعنى.
لذلك لا بد للمواهب أن تنمو على حساب بعضها الآخر ولا بد لها أن تضعف على حساب تقوية بعضها أيضاً ولا بد من إهمال بعض الجزئيات للإحاطة بالكليات ولا بد للكليات أن تشغل في جوهرها عن الجزئيات الأخرى، هنا نتج تقسيم العمل واختصاصه ومن هنا نتج وجود التعاون بين الأفراد لاستلام كل منهم مهمته في سبيل إعطاء شيء تام ومن هنا نتج عدم الاستفادة من عمل الإنسان الفائدة الكلية إذا لم يكن مؤهلاً والفائدة كل الفائدة من عمله إذا اجتمعت عنده كل المؤهلات.
20/10/69