العمل هوالدليل على صدق القول
بقلم محمود خالد الحسامي
إن الدليل على صدق القول هو العمل به فويل للقول إذا عجز صاحبه عن تنفيذه. إن نطاق القول ليتسع فإذا ضاقت دائرة العمل فليس هناك من دليل إلا المشاعر التي تعبر عن الرغبة فيه. ليس العمل بحاجة إلى دليل على صدقه فتناول الطعام معناه الرغبة في الأكل أما الإمساك عنه فليس من دليل على تصديق عدم الرغبة فيه النظر إليه والحديث عنه والإصغاء لموضوعه فهو أيضاً نوع من الإثبات على الرغبة في الأكل لأنها مشاعر حلت محل العمل الذي هو إدخال الطعام في الفم ومضغ اللقمة وطحنها وابتلاعها. هل تفجر المشاعر نوعاً من العمل يأتي فيما بعد ليدل على صدقها وما هي حدود وطاقات
هذه المشاعر.
إن العمل هو معرفة وطاقة وإرادة وقدرة ومهارة وإن المشاعر هي إحساس وتأثير وانفعال تنم عن المعرفة وتمت صلة بالإرادة فإرادة الكلام تتسع وتضيق ولا يضيقها إلا حدود الإمكانية لطاقة العمل فهل يعني إن الدليل على رغبة الكلام هو في فتح الفم ودفع الهواء وتحريك اللسان. ليس الصمت بعمل وإنما هو مشاعر أخذت بقبضة اللسان وجعلته يتحرك أو يقف فيهتز له أعمق أعماق النفس ألا وهو الألم الذي يتحول إلى دموع لدى مشاهدة الأسى الحزين كفقد عزيز ونكبة صديق وامتهان كرامة وتعذيب روح.
إذا انقطعت الرغبة عن الكلام فإن الدليل على صحتها يقوم على الصمت وخير دليل له هو تأففك من الكلام الذي تسمعه والمكوث قليلاً في مجلسه والاستغراق الكامل كأنك لم تسمع وليس لك أذن وليس لك لسان. ما هو القول إذن في مجلس الخطابة والحديث، ومجلس الأدباء وأصحاب الكلام والرأي، فجاء الصمت ليعبر عن مرارة الألم وليس الكلام ليحل محل العمل فما أجدر بالمصيبة إذا وقعت إلا أن يكون الإسعاف المادي دليلاً على الوفاء لأهل الفقيد. وكم من عيون بكت فعزت دموعها وترقرقت في المحاجر. والفقيد في ريعان الشباب ولما يبلغ الأربعين.
عاش يتطلع إلى مستقبل أمته ووطنه ينتظم فيها حب العمل للعمل فتبلغ بالصبر والجد والعلم والإرادة مستوى الترفيه الذي ينتقل في بيت كل أسرة علماً بأن الفقيد قد خلف وراءه عدداً لابأس به من الأولاد أكبرهم في سن العشرين لا يزال في بداية الطريق للانتهاء من دراسته الجامعية. صلتي بالفقيد صلة زمالة وكنت أكبر فيه همته العالية على تحمل صعاب الأسرة والقيام بنفقاتها على الوجه الذي لم يتح لمثله من الإمكانات المادية المحدودة أن ينظمها ويملأ مشاعرها بالمحبة والحنان والعطف.
