ظاهرة الانخداع
بقلم محمود خالد الحسامي
ويجدر بي أن أعود إلى النطق بعد الصمت. فلقد منعني من التعبير عما في نفسي سوء صحتي التي إن بدت للناظر لم يحسبها في شيء تمنع عن الكتابة. والموضوع الذي أعالجه هو رعاية الفن الممثل بعشاقه، ولست أخص بالفن نوعاً معيناً كالموسيقى أو الأدب أو التاريخ وإنما جميعها التي إن عمل أحداً في واحدة منها حق العمل والإتقان فإنه يبدع وتسمو روحه ويخرج من العالم المادي إلى العالم المعنوي.
لقد أتيح لي أن اتصل بمقابلة بعض الفنانين ، وما أكثرهم مع قلتهم فمن خلال ممارستي لبعض الهوايات يمكنني أن أشاركهم في أحاسيسهم وخيالاتهم فأخرج من دائرتي الواقعية التي تلزمني بكل ما يتصل بالحياة من مادة وجوهر. لقد هام الفنان بجو الطبيعة الساحر وبجمالها الرائع فجعل من خضرتها وأزهارها ونسيمها وحركتها مثالاً حياً للألوان التي تعترضنا في كل صنف من صنوف، حياتنا فالخضرة التي تكسو الأرض في فصل الربيع هو الشباب والقوة والحياة والرخاء والأمل والتجدد والنشاط وما يصحب كل ذلك من عشق وجمال. وللزهرة في تناسقها ورقة وعذوبة تشكلها ونفح رائحتها دليل على اشتياق النفس لكل ما هو حق وجميل في لونه ودقيق في صنعه وساحر في إبداعه، وكما هو الحال في البطل الذي تعجبك بطولته وتخشى إذا ما اقتربت منه لتصارعه أن يغالبك فتغلب أما إذا أردت الظفر فإنه ينبغي عليك أن تحيطه بهالة من العناية والاهتمام ليعطيك من عنده الشيء الكثير. ومثل الزهرة في رقتها مثل البطل في سماحته وإشراقة نفسه فهو يبتسم للصعوبات كما تبتسم الزهرة لك فتشوقك إلى قطفها أما إذا تم الأمر وانتزعتها من غصنها فإنك تفعل ما فعلت بالبطل حينما تقهره بالتحدي فليس من سبيل إلا أن يريك قدرته وظفره.
لقد أتيح لي أن أتصل بهواة الموسيقى وأدخل إلى مشاعرهم وعلى الرغم من قلة العدد وقصر المدة فإن ممارستي لهذه الهواية جعلني افتح سريرة أنفسهم فهي مغلقة مستعصية لأنها محاطة بهالة من الكتمان والذي جعلني كذلك هو اتصال روحي بروحهم يوم أردت أن لا يكون منها حاجز، وانفصال هذه الروح حينا واتصالها حيناً آخر جعلني لا أقصر على هذه الهواية بل أتعداها إلى غيرها من الهوايات بحيث يكون لي إحساس الشاعر والفنان وأنا أجهله ولا أعرفه إلا من نظراته وكلماته إذا ما أنشد. وكما أتيح لي أن ادخل مضمار الفن والأدب فقد مُهدتْ السبيل أمامي لأعالج قضايا المجتمع على ضوء ما أرى وأسمع حينا وأشترك اشتراكاً فعلياً حيناً آخر. ففي المجتمع من تكمن مواهبه الفنية لتظهر في إطار نسيج عمله وذوقه فتراه يئن تحت ضربات المطرقة ووخز الإبرة ورنين الآلة وصوت المحرك كما لو كان جميعاً يعمل في غير ما وضع له من الفائدة والخير ، فتكون أحياناً اصطداماً مريعاً أو طعنة غادرة أو قلق مستمر يبعثه الشعور بالواجب والإحساس بالواقع.
لقد انتهى بي الأمر أن أكون شاهداً لعرض غنائي فيه شعر وموسيقى ، أما الشعر فجماله في كلماته وأنغامه على اللحن الموسيقي: لقد تمنيت أن يطول وقت الاستماع اكثر من ذلك الوقت غير أني ضجرت لما كان يحيط بي من أحاديث وحركات غير متزنة يبعثها الجمهور المستمع وإن أسفت فإني آسف أن يكون المشرف على هذه الحفلة قد أخطأ في معرفة الجمهور ومعرفتي خاصة فجعلني أتحول من نظري وسمعي إلى نظر وسمع من يحيط بي، وعلى الرغم من ذلك فقد كنت محلقاً في عالم الموسيقى والغناء ولم أرد على خطئه إلا بنظرة واحدة أعقبها طول تأمل عميق يعود تاريخه إلى ما كان بيني وبينه من معرفة فاكتفيت منها باكتشاف مواهبه أما هو فلم يكتشف بي شيئاً واستمر على عدم المبالاة.