خذ المال اللازم واعطني الدفء
بقلم محمود خالد الحسامي
مال إلى الغضب الذي أذهب بعقله عن الواجب والاحترام والمحبة. عرفته منذ أكثر من ست سنوات رجلاً نشيطاً وعاملاً قوياً وموظفاً بسيطاً. فكنت كلما كلفته بخدمة من مهمته وضمن عمله نزع إلى التعلل بطلب المال اللازم علاوة عن المكافأة الخاصة التي تلزمه في كل من قضاء هذه الحاجة. فلم أكن أتردد في السعي وراء الحصول على طلبه حتى يكون راضياً ومدفوعاً للعمل بكل قوة ونشاط.
إلى أين ذاهب يا أبا علي. ـ إلى حيث ما طلب مني فأجلبه ـ فيذهب أبو علي ويعود بعد ساعات طويلة أو قصيرة ثم ألقاه بعدها يمشي ولا يتوقف عن العمل ـ ثم أعود لأسأله مرة ثانية ألم يحن الوقت للعمل بما وعدتني به فتنجزه كما يحلو لك وكانت المهمة المكلف بها من قبل الآخرين هو الشراء والتركيب وكانت المهمة التي كلفته بها هو تركيب المدفأة بعد أن تم تركيب جميع المدافئ في كل الغرف ما عدا الصفوف.
إلى أين ذاهب يا أبا علي ـ إلى السوق لأشتري حاجة خاصة لأحدهم ـ أفلم تعدني في المرة الأولى والثانية والثالثة، أنك حالما تنتهي من أي طلب فإنك تعود لتأخذ دورك في مهمتي ـ فهز أبو علي رأسه وقال ما إن انتهيت من المهمة الأولى والثانية والثالثة حتى قلت إنها الأخيرة وسيأتي بعدها دورك (وهو تركيب المدفأة ).
وتشاغلت عنها وعنه إلا أن شدة البرد أوحت لي بالسؤال والقول فذهبت إلى صاحب الطلب وقلت لتدع الموظف يفي بوعده فالبرد يدفع إلى الإسراع بالعمل وليس طلبك في تأخيره بأقسى من البرد الذي لم تشعر به وأنت دافئ فكان جوابه تدفأ هنا فمضى إلى عمله و استمتعت بالحرارة قليلاً ليعود أبو علي ومعه البشرى بفراغه لأهنأ بالدفء حيث المدفأة ستكون جاهزة.
إلى أين يا أبا علي ـ إن البواري قديمة فالجديدة قد نفذت ـ وكم تساوي من الثمن ـ خمس عشرة ليرة فقط ـ ولقد حرصت أن تكون المدفأة في هذا العام أكثر نفعاً فإنه في العام الماضي حيث بقيت شكلاً فقط والقاعة الكبيرة التي تتركب فيها المدفأة هي في الطابق الأول محاطة بالفتحات من النوافذ والاستمرار في تركها يعبث بها الهواء البارد هو من الضيق والألم بحيث لا يمكن المكوث فيها أكثر من ساعة بدون أن يتأذى من البرد وبالفعل فقد جعل فيها العمل مكروهاً بحيث تراني أدور في مكاني ولا أعرف سبباً لهذا الدوران أني لم أجد المكان الدافئ. وانحلت مشكلة البواري وتركبت المدفأة ثم إن أبا علي أقام لهذا العمل شرطاً خاصاً قبلته وتعهدت بتنفيذه.
إلى أين ذاهب يا أبا علي ـ أين الشرط الذي لم يتحقق ـ وكان أبو علي قد اشترط على تصليح باب الغرفة بما كان يجب به أن يشترط. فلم يصلحه إلا بعد أخذ الوعد اللازم بتحقيقه. وأبو علي ينتظر تحقيقهما وهما سهلان وتأخيرهما لا يضر في البرد أو في إغلاق الباب محكماً وإنما يضر في مشتهيات معدته ولقد عودته على ذلك فكان كلما حرد من مهمة أعود لأسكت شهوة معدته بالتلذذ.
إلى أين ذاهب يا أبا علي فأبو علي لا يسمع كلاماً ولا طلباً وحضرت إلى القاعة الكبيرة فهي بالإضافة إلى البرد فإن الزجاج منثور في أركانها ويدخل الهواء البارد من الفتحة التي ترك الزجاج المكسور على جوانبها شيء من الألم يدل على هجرة المكان وعدم استعماله. لقد خرجت منها حالاً لأعود بالكتب الجديدة الواردة ـ الكتاب الذي كان بانتظاره أكثر من عشرين طالباً في مدرستي وأكثر من مائة في مدرسة أخرى وأكثر من ألف في صفوف الطلاب الآخرين.
ألو ـ أبو علي ـ وأبو علي يسمع وكأنه لا يسمع وأبو علي يحضر وفي حضوره فرحة الطلاب بحيث يعود العمل وتسهل المهمات. وبقيت أنتظر مجيئه ليحضر الكيس الذي يملؤه بالكتب ويحميها من المطر لقد بقيت في انتظاره وهو حرد وغاضب ومتأفف فهو يريد الشرط الذي تضاعف بالخدمة الثانية وسيتضاعف أيضاً بالخدمة الثالثة وهكذا.
إن أبا علي قد فقد صوابه بحيث أنه لم يبال ما معنى البرد والمطر وما معنى الواجب لقد فوجئت في مكان الانتظار لوصول أبو علي بطالب أضر به التأخير فيبحث عن الوجود في القاعة وفي كل مكان من أنحاء البناية وعبثاً يستهدي وتقوم الضحية لا ـ على أبا علي ـ ولا على المدفأة التي إن وجدت فإن المازوت الموجود لم يصل إليها بسبب حرد أبو علي فلم يحمل إليها التنكة وينتظر تحقيق الشرط. حقاً لقد تألمت كثيراً والحل الوحيد هو إرضاء أبو علي بما يطلب وأكثر من ذلك.
إن الانتظار على شهوات المعدة غير الانتظار على الواجب ومنه القضاء على البرد لقد رأيت في المشكلة حلاً بسيطاً هو مكافأة أبو علي مسبقاً عن كل تنكة مازوت يحضرها إلى القاعة. واعتبر هذه المكافأة بكل رضىً لإراحة نفسي من العناء الذي وقعت به فلم أستطع أن أرى أبا علي يغضب وفي رضاه الدفء إذا وجد المازوت والمدفأة وفي رضاه انتظام العمل. وفي اليوم الثاني همست بأذن أبو علي إني صادق فيما وعدت مسبقاً فخذ مكافأة عن خمس تنكات تحملها كفاك ممتلئة بالمازوت. ودع الحرد والغضب وخذ المال اللازم فإني لم أستطع أن أقارن الواجب بالمكافأة التي تطلبها فإن عملك هو الشعور بالواجب فوق الشعور بالمكافأة.